ما جرى في المنطقة مؤخراً، من حرب إسرائيلية - أمريكية على إيران، استهدف منشآت نووية وعسكرية ومدنية، ورد إيراني طاول عمق إسرائيل ومدنها ومنشآت عسكرية وبحثية وبنى مدنية، كما استهدف القصف الإيراني في أيامه الأخيرة قاعدة العديد في قطر، طرح أسئلة مهمة حول العلاقات العربية- الإيرانية، وكيفية الانتقال في هذه العلاقات إلى مرحلة جديدة من التفهم والسعي إلى ترميم العلاقات في إطار السيادة والقانون وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، كما يطرح أسئلة حول موقف «جماعة الإخوان المسلمين» ومعها حركة «حماس» مما جرى، بما يكشف دورهما الملتبس تجاه التطورات الأخيرة، وخصوصاً تجاه تعرض سيادة قطر للانتهاك وعدم إدانة هذا الانتهاك، على الرغم مما قدمته وتقدمه الدوحة من دعم وتأييد للإخوان ولحركة حماس «الإخوانية» التي وجدت فيها ملاذاً آمناً، ومحطة لمفاوضات تؤدي إلى وقف حرب الإبادة على قطاع غزة، ودوراً محورياً في تجسير الخلافات بهذا الخصوص.

بداية، إن ما يجمع بين دول الخليج العربية وإيران ليس مجرد مسطح مائي ممتد من مضيق هرمز حتى الكويت، وبينهما سلطنة عمان، ودولة الإمارات، والمملكة العربية السعودية وقطر والبحرين، وإنما تاريخ مشترك، ودين وثقافة وغيرها. وإذا كانت الجغرافيا والتاريخ يجمعان الدول العربية وإيران، فذلك يستدعي أن تكون العلاقات مبنية على واقع يأخذ في الاعتبار المصالح الجيوسياسية المتبادلة، كمنطلق لتعاون يأخذ أشكالاً مختلفة، اقتصادية وسياسية وأمنية في مواجهة التحديات الكثيرة التي تواجهها المنطقة العربية، وفي قلبها منطقة الخليج العربي، وأساس هذه العلاقات، الثقة والاحترام المتبادل من دون خوف أو إكراه أو غلبة.

بحكم التاريخ والجغرافيا، وهما من الثوابت، التي لا يمكن لأحد تغييرهما أو تجاوزهما، يفترض قيام علاقات مستقرة ومزدهرة كما دعت دول المجلس إلى ذلك دائماً، وهذا يفترض مراجعة لسياسات أدت إلى حدوث شرخ في هذه العلاقات، وحالة من عدم التفهم أثارت العديد من السلبيات في العلاقات، وهذه المراجعة مطلوبة من إيران الجارة أكثر من غيرها.

دول الخليج لم تتأخر في إدانة الهجوم الإسرائيلي على إيران، وكذلك الهجوم الأمريكي باعتبارهما يشكلان انتهاكاً لسيادتها وللقانون الدولي، وبالمثل دانت الهجوم الإيراني على قاعدة العديد باعتباره انتهاكاً لسيادة دولة عربية، رغم التبريرات الإيرانية غير المقبولة التي سيقت قبيل الهجوم وبعده.

حسناً فعل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بإعلانه استعداد بلاده للتعاون الشامل مع مجلس التعاون الخليجي «وأن تفتح عبر هذا المسار صفحة جديدة على صعيد علاقاتهما في المنطقة ذاتها، وذلك في ظل الحاجة الملحة إلى تعزيز الأواصر وتطوير التعاون بين الدول الإسلامية».

هذا الموقف يحتاج إلى ترجمة فعلية على الأرض من خلال فتح حوار إيجابي وبنّاء بين الجانبين يؤدي إلى ترميم الثقة التي تضررت بفعل الهجوم الأخير على قطر، والانطلاق نحو إقامة علاقات تحقق المصالح المتبادلة بين الطرفين، وتؤدي إلى جعل منطقة الخليج واحة أمن وسلام واستقرار.

أما عن موقف «جماعة الإخوان» مما حصل، والتزامها الصمت، فتلك قصة أخرى لها علاقة بتاريخ هذه الجماعة وفكرها، وينطبق عليها المثل «عض اليد التي أحسنت إليك». فـ«جماعة الإخوان»، معروفة بنكران الجميل، ولا تقيم وزناً لقيم دينية أو أخلاقية أو إنسانية، وهي تستخدم الدين جسراً للعبور إلى السلطة، ومشروعها الأيديولوجي يستهدف السيطرة على مفاصل الدول، إضافة إلى أنها تعمل على إضعاف الأنظمة من الداخل تمهيداً لإسقاطها، لأنها لا تؤمن بالدولة الوطنية ولا بسيادة الدول، ولذلك فإن مشروعها الخبيث هذا سقط في مصر وتونس والأردن والسودان ولاقى الفشل في دول أخرى.

لكل ذلك، لم يكن غريباً أن يستنكف «الإخوان» ومعهم حركة «حماس» عن استنكار الهجوم على دولة قطر من منطلق المصلحة المزدوجة التي يؤمنون بها.