أصبحت تأثيرات التغير المناخي واقعاً صيفياً لا يمكن إنكاره، وآثاره موزعة بين قارات العالم، إما في صورة حرائق تجتاح الغابات والأرياف، وإما فيضانات تجرف الممتلكات والاستقرار والأرواح، بغض النظر عن تقدم الدول أو عدمه.
نحن أمام تداعيات كارثية تتضاعف سنوياً لما يمكن اعتباره حرب الإنسان، أفراداً ودولاً، على نفسه حين بدأ في الإساءة إلى الطبيعة، وصم الأذن عن تحذيرات لا حصر لها من تبعات ذلك، مستبعداً أن يعاقب على أفعاله، أو على الأقل يتصور أن بينه وبين حصد النتائج المريرة أمداً طويلاً.
وبهذا، أصبح الصيف المرتبط بالعطلات وقصد الشواطئ والترحال بين القارات قرين الخطر المناخي الذي يكمن في كل البقاع، ويمكن أن يطل منها في أي وقت، مهدداً السكان ومستنفراً قوات الإنقاذ والطوارئ لمواجهة ماء الفيضانات أو نار الحرائق.
هي صور موسمية للقلق العالمي تضاف إلى مشاهده المتلاحقة في ساحات الحروب الحقيقية والنزاعات المكتومة والظاهرة، بل إن هذه الصور لا تنفصل عن السياسات العالمية التي أفضت إلى الجزء الأكبر مما نحن فيه من خطر مناخي، بعد أن سمحت للقوى المسببة للمشكلة بالمضي في ممارساتها الأنانية والتنصل من مسؤولياتها عما جرى، وعن تضييع حق الأجيال الحالية والمقبلة في التمتع بخيرات الطبيعة التي تتحول مع الوقت إلى مكامن لمآسٍ تحصد الأرواح.
ورغم أن الدول المصدرة لجزء كبير من أصول المشكلة ليست استثناء من النتائج القاسية، فإنها لم تدرك حتى الساعة أهمية دورها في الحل، وعناصره متفق عليها ولا تحتاج إلى اجتهاد، وأقله التوقف عن التفلت من الاتفاقات والأطر الدولية وبدء الالتزام بمقرراتها.
ما معنى التلكؤ في ذلك وكل حريق مأساوي جداً، كما عرف ريف اللاذقية السورية، وكل فيضان ينتهي بنكبة، وهو الوصف الرسمي لما جرى في إحدى مقاطعات تكساس الأمريكية.
النار في سوريا، والماء في الولايات المتحدة، إطاران تمهيديان لحرائق وفيضانات وموجات حرّ منتظرة في العالم، وسبقتهما كوارث حرارة تمهيدية في أوروبا، وتحديداً اليونان وتركيا التي أحصت التقارير 600 حريق فيها مطلع الأسبوع، بينما اكتوت أكثر من دولة بالحر القاتل، وعرفت فرنسا موجة منه لم تتعرض لها منذ 2003.
وكما اعتدنا في السنوات الأخيرة، ستكون تقارير الكوارث المتأتية من التغير المناخي أكثر حضوراً في الأسابيع المقبلة، سواء جاءت من مناطق أصبحت حاضرة سنوياً في قلب الخطر، أو انضمت إليها أخرى نحسب أنها آمنة. والمتوقع أن يبقى الاهتمام حول العالم موزعاً بين ميادين الحروب الحقيقية والمساعي الصادقة والزائفة لإنهائها، والحديث عن خرائط سياسية يراد لها التغيير، وبين كوارث لها أيضاً تأثيراتها القاسية في البشر الآمنين وخرائطه التي أصبحت تتآكل أو تزداد وحشة.
وفي الحالتين، نحن أمام ثمار فرص ضائعة، وتجاهل لأصوات الحكمة ومحاولات التبصير بالهوّات السحيقة التي يمضي إليها بعض أصحاب القرار، وخلفهم ملايين البشر.

[email protected]