كمراقبين، لبعضهم بعض الخبرة السياسية، وبعض الخبرة الدبلوماسية، وبعض الرغبة المستمرة في التعلّم، وبعض القدرة على التحليل المتوازن والموضوعي، وبعض النوايا الوطنية والقومية، وبعض الذاكرة القوية، نعترف بأننا نعيش أياماً مشهودة، الفضل فيها لرئيس دولة عظمى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رأيناه يتصرف تصرفات مدهشة حيناً، ولكن غريبة في أحيان كثيرة، حتى رحنا نراقبه مراقبة لم يحظ بمثلها سلف، ولا رفيق، أو عدو.
* أولاً: رأيناه يطالب بحقوق توسع وحيازة لبلاده خارج حدودها، وهي بريئة من الادّعاء بهذه الحقوق، يطالب بحق بلاده في احتلال جزيرة غرينلاند الدنماركية ودولة تطل على قناة مرور بين المحيطين، الهادي والأطلسي، وضم كندا كولاية أمريكية برقم فوق الخمسين. رأيناه يحرك أساطيله لغزو دولة في أمريكا اللاتينية، ويهدّد بغزو دولة أخرى في هذه القارة اللاتينية.
* ثانياً: رأيناه، يشن «عملية عسكرية»، عنوان استعاره من رئيس دولة عظمى أخرى في حرب قررت هذه الدولة العظمى، وهي الاتحاد الروسي، شنها على أوكرانيا انتقاماً من نية حكومتها التفكير في الانضمام إلى الحلف الأطلسي. كانت العملية العسكرية بين أمريكا وإيران حرباً بكل معنى، ورفض التقدم بطلب الموافقة من الكونغرس. لم يعلن الحرب ولكن لم يتخلف عن إعلان وقفها في مهرجان صاخب.
* ثالثاً: رأيناه يدخل قاعة اجتماع قمة السبع. عوّدنا دائماً على أنه لا يدخل قاعة اجتماع إلا بعد أن يكتمل حضور جميع أعضاء القمة. رأيناه يدخل كعادته بعد أن اكتمل حضور باقي أعضاء القمة، يمشي خطوات فيلحق به المنظمون ويقودونه إلى مسار آخر، ثم ثالث نحو مقعده. يفاجئنا وكل أهل القمة بتوقفه في مواجهتهم ليعلن بأعلى صوت ممكن، ومن دون سابق سبب، أو مناسبة عبارة «أنا الزعيم».
* رابعاً: في هذه اللحظة تذكرنا الرئيس في مواقف أخرى ليست أقل غرابة. تذكرناه وفي يده رسم بقلمه يظهره في قامة المسيح وملابسه وعلى لسانه حكاية أنه لم يقصد التشبه بالمسيح وإنما بطبيب يعالج كل البشر.
* خامساً: سمعناه يتحدث عن معالم جديدة يؤسسها للعاصمة الأمريكية تحل محل معالم صارت بالعرف رموزاً تاريخية. كان رد الفعل الشعبي، أو على الأقل داخل أوساط النخبة الحاكمة، غاضباً في أسوا الأحوال، وساخراً في أحسنها.
بالمناسبة لم يتوقف سعينا للتوصل إلى الأسباب الحقيقية، غير العنصرية وراء كراهيته لعائلة أوباما، وتشبيهه لهما بالقرود، ووراء سخرياته التي وصفت بالمتوحشة لأن الرئيس أوباما، حسب رأي الرئيس ترامب، لم يحارب إيران، وأنه وقع على صفقة سيئة وفاشلة تتعلق بتخصيب اليورانيوم. اشتعل الغضب أكثر كثيراً عنما انشغلت القنوات الإعلامية ببث أخبار عن ثورة الشعب الألباني على الترخيص الاستثماري الذي حصل عليه جاريد كوشنر صهر الرئيس، لبناء منتجع سياحي على جزيرة تخضع لقواعد دولية ومحلية تحرم الاستيطان والتعمير فيها لاعتبارات بيئية.
* سادساً: لم نكن يوماً غافلين عن دور «الآيباك» في صنع السياسة الخارجية الأمريكية. إلا أننا نقف اليوم شهوداً وللمرة، لعلها، الأولى على حرب وجود تشنها مؤسسات وعملاء «الآيباك» في مختلف أجهزة الدولة، كالكونغرس والاستخبارات الداخلية والخارجية، والجامعات، ومنظمات الطلبة والأساتذة، وحركة «ماغا»، وأفراد في حكومة الرئيس ترامب، بينهم حسب التسريبات ماركو روبيو، الطامح إلى منصب الرئيس في الانتخابات القادمة. الهدف الرئيسي للآيباك خلال الشهور القليلة المقبلة يتلخص في وقف تنامي ظاهرة حماسة الشعوب، وبخاصة الشباب ضد إسرائيل وحربها ضد الفلسطينيين واللبنانيين، وهيمنتها على السياسة في أمريكا والغرب، بشكل عام. هي بالفعل حرب وجود بالنسبة للدور الذي تعودت أن تقوم به «آيباك».
لا مبالغة في القول إن العالم يمر بأيام حرجة، أيام تعمل فيها الدول العظمى ليل نهار في الاستعداد ليوم تتقاسم فيه المسؤولية عن إدارة نظام دولي جديد، كل بما تستحقه من تقدير واحترام لمجمل مكونات قوتها، الناعم منها، والجميل، والصلب، والمتقدم حقوقياً وإنسانياً.
