وليد عثمان
من مأثورات بيروقراطيات عربية راسخة القول إنه إذا أردت أن تميّع أمراً أو تقتل حقيقة مشكلة، فالأصح أن تشكّل لجنة من المعنيين على الجميع أن ينتظر قولها الفصل في الموضوع.
وفي الممارسات الأكثر احترافية في البيروقراطية، تنبثق من اللجنة لجنة، أو لجان، أخرى تتشعب التحقيقات في أروقتها وتلتهم الوقت حتى ينسى الناس الأمر، وحتى إذا ظهرت نتيجة بعد شهور أو سنوات، فإنها لا تصادف اهتماماً ولن تقدم ما يفيد.
القريحة العربية لها الفضل أيضاً في ابتداع لجان جديدة لا صلة لها بالبيروقراطية ولا مقاصدها، وإنما تستفيد من تقنيات العصر، ونتائجها أسرع وأعظم أثراً. هذه اللجان التي قد لا يكون لها نظير في العالم، هي ثمرة الاستخدام السيئ لمواقع التواصل الاجتماعي، تكبر معها لكنها لا تعرف النضج، وهي في معظم صورها مسمومة.
مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي لا تنفصل عن الواقع في معظم دوله، من حيث رفض أغلبية مستخدميها لأي خلاف، ونزوعهم إلى التخوين واستخدام مفردات ليست من قواميس مجتمعاتهم لكن يشجع عليها التخفي خلف الشاشات بأسماء مستعارة أو حقيقية.
ربما بدأ الأمر فردياً برفض كل شخص أن يخالفه أحد في رأيه، وإلا ردّ بما لا يمكن قوله من مفردات السب. وأي أمر يمكن أن يشعل الخلاف، بدءاً من المنازلات الرياضية وانتهاء بتعقيدات السياسة.
ومع الوقت، أصبحت مواقع التواصل أحزاباً تتناحر دفاعاً عن انتماءات وعقائد وآراء، وظهر ما يسمى اللجان الإلكترونية التي تجردت تدريجياً من عفويتها، فلم تعد الواحدة منها تجمع، طبيعياً، متفقين في الرأي أو الميول.
توظيف اللجان الإلكترونية هو نقطة التحول التي أوصلتنا إلى الخطر المستفحل لاستخدامات مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يعفى من المسؤولية عن ذلك دول وحكومات إما عمدت إلى مجاراة نزق الأفراد، أو غضت الطرف عن انفلات في ما يكتب، وفي بعضه مساس بمسؤولين وجهات في دول أخرى.
ويبدو أن جهوداً بذلتها بعض الدول العربية، وفي مقدمتها الإمارات، لاحتواء فتنة مواقع التواصل وما تسببه من تباعد وتباغض، لم تطوقها كاملة حتى الآن، ولم ينتبه أحد إلى خطورة المساس بما بين العرب من روابط أبدية لا يجوز أن تنال منها اختلافات طبيعية في الرؤى.
وطبيعي ألا يستوعب أفراد لا يتقبلون أي مخالفة لما يرون، حتمية التباين في الآراء بين الدول، بل بين مسؤولين في حكومة واحدة حول أمر ما، ومن هنا يصبح ضيق أفق هؤلاء الأفراد وقوداً للمعارك الإلكترونية الدائرة، وأن يكونوا جزءاً من اللجان الساعية بنار الشقاق.
ومن هنا، نحن بحاجة إلى تقوية الأرواح المتقبلة للاختلاف في الواقع، والمزيد من الترويج للنموذج الإماراتي القائم على إحساس كل شخص أنه، بأخلاقه وقيمه، تعبير عن دولته كاملة.
ولا ينبغي في الوقت نفسه غض الطرف عن التوظيف الرسمي للجان، وبعضها عابر للحدود، وتمويله بلا قيود.