علاء الدين محمود
لعل الدارج في المؤلفات والكتب والمراجع التاريخية هو تناول الوقائع والأحداث والسير التي جرت في الماضي القريب أو البعيد، حيث تكاد تنحصر البحوث والكتابة التاريخية على ذلك النشاط الاجتماعي في أزمنة مضت، مع التركيز على قيم البطولة والشجاعة ودور الأفراد وذكرى الحروب والأوبئة وكل ما شكل منعطفاً في مسيرة الإنسانية.
إلا أن الملاحظ أن هناك اهتماماً بدأ مؤخراً وبصورة كبيرة بسير وتواريخ غير تلك التي اعتادها الناس في مختلف العالم، بحيث صار هناك تأريخ للسلوك والمشاعر وظواهر إنسانية لم يتم تناوله من قبل في سياق تاريخي يحيط بالظاهرة ويفككها ويصل إلى منابعها الأولى، ولعل عناوين بعض المؤلفات التي صدرت مؤخراً تعطي فكرة عن نشاط بحثي وتأملي يغاير فكرة التأريخ المعتادة والدارجة عند الناس، وهو نشاط تتضافر فيه الجهود في مجالات مختلفة، مثل الفلسفة وعلم النفس واللغة والاجتماع وغير ذلك من علوم حديثة.
وتشمل قائمة العناوين التي تم تناولها في سياقها التاريخي، قضايا مثل «التعب»، «والمشي»، و«الكذب»، و«الضحك»، و«الألم»، و«الجنون»، وغير ذلك من قضايا سلوكية ونفسية وجسدية ربما ما كانت تصلح في الماضي لأن تصبح مادة للبحث التاريخي، إلا أن تطور العلوم والمعارف وكذلك روح العصر باتت كلها عوامل لاكتشاف مجاهيل جديدة في التاريخ الإنساني، حيث تكفي الباحث أو المؤلف ملاحظة بسيطة على ظاهرة ليقوم بتتبعها وصولاً إلى البدايات التي شكلتها وأثرها المستمر والدائم.
وربما ذلك ما فعله عالم الاجتماع الفرنسي جورج فيغاريلو، الذي تفرس في وجوه البشر في هذا العصر، وتساءل: لماذا نحن مرهقون لهذه الدرجة، وكان نتاج ذلك السؤال كتاباً يبحث في «تاريخ التعب من العصر الوسيط إلى أيامنا هذه»، حيث إن لكل ظاهرة تاريخها، فوجود أشخاص يعانون الإرهاق يشير إلى أن ذلك الشعور ربما يكون قديماً، بتعاظم في منعطفات معينة، وربما ما توصل إليه الكاتب في هذا الكتاب المثير أن القرن العشرين، الذي تميز بالتضخم التكنولوجي قد شهد ازدهار مفهومي الإرهاق والإجهاد، حيث يسود الاحتراق النفسي في العصر الحالي كنتاج للرغبة الملحّة في تحقيق الذات مما يسبب التوتر والإجهاد.
إن مثل هذه القراءات الجديدة من شأنها أن تشكل انقلاباً في مفهوم التاريخ، بحيث لا يقتصر على الوقائع والحياة الجماعية التي سادت في الماضي، بل وكذلك السلوك والأحاسيس وانفعالات الجسد، فما يقوم به الإنسان اليوم من سلوكيات قد لا يكون بعضها مفهوماً، أو درج الناس على تقديم تفسير ربما لا يكون صحيحاً حولها، لكن العودة للتاريخ ربما تقدم إضاءة في هذا المجال، فعلى سبيل المثال نجد أن الكاتبة الأمريكية ريبيكا سولنيت في كتابها «شهوة التجوال: تاريخ للمشي»، لم تتناول حركة المشي كحركة جسدية فقط، بل كمدخل لفهم الإنسان وبيئته.