المسؤولية الأخلاقية في الأدب تُعد من أبرز القضايا التي تشهد صراعاً في الأوساط النقدية الغربية، فهناك نقلة نوعية في أشكال جديدة من القصص والروايات، وهي في المجمل أعمال يمكن إجمالها تحت صنف «الديستوبيا الحديثة»، وخير مثال على ذلك سلسلة «ألعاب الجوع» للأمريكية سوزان كولينز، ورغم أن الفارق الزمني بين هذه السلسلة وما سبقها من الأعمال التي صُنفت تحت باب «الديستوبيا الكلاسيكية» كرواية (1984) لجورج أورويل ليس كبيراً، ويُقدّر بنحو نصف قرن على أحسن حال، إلا أن هناك فارقاً جوهرياً في المضمون والشكل، على حد سواء، يُحسب لصالح روايات «الديستوبيا الحديثة».
عرف الغرب «أعمال الديستوبيا الكلاسيكية» في القرن العشرين كنوع أدبي يُصوّر مجتمعات مستقبلية خيالية مظلمة، يسودها القمع، والقهر، والتعاسة، وتستخدم كأداة نقدية تحذيرية من التوجهات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية المعاصرة، فيما نحا النوع الجديد من الروايات نحو موضوعات أكثر حيوية، فسوزان كولينز، نجحت في قلب الطاولة على النموذج السابق، من خلال معالجتها لروايات خيال علمي حديثة موجهة في الأساس للشباب والمراهقين، وهي التي تحوّلت إلى سلسلة أفلام ناجحة تركّز على مواضيع البقاء، وقد حظيت بشعبية واسعة بين البالغين أيضاً.
استنبطت كولينز فكرة رواياتها المتسلسلة من دمج برامج الواقع مع أخبار الحروب، فقدمت نقداً لاذعاً لكيفية تحويل معاناة البشر إلى «ترفيه» وتلاعب الأنظمة بالصورة والدعاية الإعلامية، للسيطرة على الشعوب.
وفي ذات الإطار، نجحت أعمالها في كسر نمطية ما قدمتها أعمال الديستوبيا المتشائمة أو الكلاسيكية، نحو أفق حالم غير فاقد للأمل، ومثلت أنموذجاً ناضجاً لكتابات تمثل اتجاهاً أدبياً جديداً في القرن الحادي والعشرين.
تميزت هذه الأعمال الجديدة، بحبكتها الرشيقة، وأبطالها اليافعين، ونهاياتها المفتوحة على عوالم أكثر تفاؤلاً، من خلال مناقشتها لسلسلة الأمراض والكوارث البيئية والحروب، وقضايا الذكاء الاصطناعي وكل ما له صلة بتهديداته المعاصرة ومنها الهيمنة التكنولوجية، التي تجعل البشر أقل إنسانية، وسعت هذه الأعمال كذلك لترسيخ إمكانية حقيقية للتغيير، في مقابل ما طرحته أعمال «الديستوبيا الكلاسيكية» من أفق مظلم يحذر من نهاية الإنسانية عبر القمع الفكري.
عربياً، لا يبدو أن هناك أثراً مباشراً وواسعاً لروايات «الديستوبيا الحديثة» على الرواية العربية، على حساب تأثرها بروايات «الديستوبيا الكلاسيكية»، وتقنياتها الأكثر تعقيداً، ويبدو أن التحدي الأكبر أمام هذه الأعمال العربية، هو في سعيها لابتكار أساليب سردية جديدة، واقتحامها لموضوعات جوهرية يعيشها العالم اليوم، على غرار ما بات يعرف بـ«الديستوبيا الناعمة» التي لا تركز على رعب الانهيار، بقدر إضاءتها على ما تبقى من قوى الجمال والفن في الحفاظ على الإنسانية.
