الشارقة: رضا السميحيين

تمثل معارض «البينالي» في الإمارات ركائز ثقافية وفنية أساسية أعادت تشكيل معالم المشهد الإبداعي العربي والعالمي، حيث برزت «البيناليات الإماراتية» كإحدى أهم الفعاليات الثقافية والفنية التي أعادت رسم خريطة الإبداع على المستويين الإقليمي والدولي، وشكلت هذه المعارض نقطة تحول جوهرية، إذ تجاوزت دورها التقليدي في عرض الأعمال الفنية لتصبح منصات ديناميكية للحوار والتفاعل الفني والثقافي، تجمع في رحابها فنانين ومبدعين من مختلف أنحاء العالم لتبادل الأفكار وتجارب الابتكار، من أبوظبي إلى دبي والشارقة، نجحت الإمارات في ابتكار نموذج فريد يحتفى فيه بالتنوع الثقافي وينمي شرارة الابتكار، لتكون بينالياتها مختبراً حياً للفن المعاصر في المنطقة.

ترتقي أهمية البينالي الإماراتي بمساهمته في ربط الفن المحلي بمسارات الحداثة العالمية، وفتح أبواب الحوار بين الثقافات المختلفة، مما شكل بيئة غنية لإطلاق المواهب الجديدة ودعمها إلى مصافّ الإبداع العالمي. وبينما تدفع هذه المعارض الفنانين لتجربة وسائط جديدة وكسر النمطية التقليدية، فإنها تمنح الجمهور نافذة فريدة للاطّلاع على تطورات الفن في العالم العربي، والتفاعل مع أسئلة الهوية والتحولات الاجتماعية.

* ريادة

انطلق بينالي الشارقة في عام 1993 كأول بينالي من نوعه في المنطقة، متقدماً على المشهد الفني الإقليمي بمفهومه الشامل واهتمامه المتواصل بالفن المعاصر الذي يربط بين الجماليات المحلية والتجارب الفنية العالمية المختلفة، تحول معها الحدث الفني الضخم إلى منصة دولية تجمع الفنانين من جميع أنحاء العالم العربي وخارجه، لتصبح ورشة عمل ثقافية وفنية تنبض بالإبداع والتجريب.

يركز بينالي الشارقة منذ بداياته على قضايا إنسانية وثقافية حساسة مثل الهوية والرحلة والاختلاف، حيث يقدم تداخلات مهمة بين السرد البصري والأدب والفنون التشكيلية، هذا التفاعل بين مختلف الفنون جعل من البينالي فضاء مفتوحاً للحوار الفني الإنساني، فاتحاً آفاقاً جديدة للابتكار والتجديد الثقافي.

من أبرز ما يميز بينالي الشارقة تعزيز مفهوم تعددية الثقافات والتفاعل بين الفنون، فهو منصة عالمية يضم فنانين من خلفيات ثقافية وجغرافية متنوعة، هذا التنوع يعكس قدرة الفن على التجاوب مع القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية من زوايا متعددة، كما يجعل الفن وسيلة فاعلة للتعبير عن واقع الإنسان بكل تعقيداته، إذ يعمل البينالي على نقل تجارب ومواقف فنية متعددة الأصداء، تعكس حيوات متعددة من خلال لغة بصرية مغايرة.

* فضاءات

استكشف معرض «بينالي أبوظبي» الذي انطلق في نوفمبر 2024، في نسخته الافتتاحية، مفهوم المكان العام من خلال أربعة محاور رئيسية هي: البيئة، المجتمع، المدنية، والأصالة، وركز البينالي على دراسة تأثير الظروف البيئية في تكوين أماكن التجمع والتفاعل الاجتماعي، ورسم حدود الفضاءات التي تعتبر عامة، كما تناول التحدي المتمثل في التوازن بين التطور الحضري الحديث والممارسات الأصيلة، من خلال البحث في كيفية الحفاظ على القيم التقليدية وسط النمو الاقتصادي والتنويع السريع للمدينة.

يمتد البينالي في محتواه وفاعلياته بين مدينتي أبوظبي والعين، حيث يسعى لأن يكون حلقة وصل بين ماضي الإمارة وحاضرها، ويقدم المشاركون فيه أعمالاً فنية تتفاعل مع المجتمع، وتشجع على (المشي والاستكشاف)، مع التركيز على مواقع تحمل دلالات تاريخية ومعمارية مميزة، مثل محطة الحافلات التي تتميز بهندستها المعمارية الفريدة ودورها كمركز مجتمعي، إضافة إلى التراث المعماري في المدينة، الذي يتضمن المنازل التقليدية المبنية من طوب الطين والواحات الخضراء المنتشرة في المنطقة.

* تنوع

أما «بينالي دبي للخط» فهو الآخر يحتل مكانة فريدة، فقد انطلق في أكتوبر 2023 وهو يركز على جماليات فنون الخط، خاصة الخط العربي، إلى جانب أشكال أخرى من الخطوط من مختلف لغات العالم، ضمن سياق فني يدمج الحرفية التقليدية مع التقنيات المعاصرة، ويشتمل على مشاركات عربية وعالمية توزعت على عدة مواقع في المدينة.

يهدف بينالي دبي للخط إلى تعزيز الحوار الثقافي عبر جماليات الخطوط، وفتح فرص لتبادل الخبرات بين الثقافات، مع تقديم معارض وورش عمل وجلسات نقاشية تتناول العلاقة بين الفن واللغة والتاريخ، مما يفسح المجال أمام إعادة الاعتبار لفن الخط الذي يعد من علامات الهوية الثقافية للبشرية، ويعكس تنوع الثقافات وانتقالها عبر الزمن.

* أجيال

تولي البيئة الفنية في الإمارات اهتماماً متزايداً بالأجيال الناشئة من خلال تنظيم «بينالي الإمارات للأطفال والناشئة» الذي تقيمه إمارة الشارقة، ويهدف هذا البينالي إلى غرس حب الفن وتنمية المهارات الإبداعية لدى الأطفال والشباب منذ مراحل الطفولة الأولى، من خلال توفير بيئة محفزة تتيح لهم التعبير بحرية عن أفكارهم وتجاربهم الفنية المتنوعة، ويعمل البينالي الذي يشرف عليه نخبة من المتخصصين والمشرفين، على توجيه المشاركين وتشجيعهم على تطوير مهاراتهم الفنية، مما يساعد في تنمية قدراتهم على الابتكار والتفكير النقدي بأساليب فنية معاصرة.

يعكس هذا التوجه رؤية واضحة للاستثمار الثقافي المرتكز على الأسرة والتعليم، حيث تضع الإمارات من أولوياتها بناء أجيال فنية واعية ومبدعة، قادرة على المساهمة بشكل فعال ومستدام في المشهد الفني العربي والعالمي. وتعد هذه المبادرة نموذجاً حياً لتكريس مفهوم الثقافة والفن كأداة للنماء والتطور والإبداع، وتعزز مكانة الإمارات كبيئة مثالية ومشجعة لصقل المواهب الشابة، وتشجيعها على الإبداع والابتكار في عالم الفن الحديث.

* حوار حضاري

بفضل هذه «البيناليات»، ترسخ الإمارات موقعها كحاضنة للحداثة والإبداع في المنطقة العربية، حيث تجمع بين احترام الجذور الثقافية والانفتاح على المتغيرات العالمية، وهي بذلك لا تكتفي بعرض أعمال فنية وأدبية، بل تسعى لتوفير مناخ يكرس الحوار الحضاري، ويدعم الإنتاج الفني والثقافي، ويصنع بالتالي تاريخاً جديداً للفن العربي الحديث في زمن العولمة.