هناك العديد من الأعمال الأدبية في مجالات المسرح والشعر والرواية وكل أشكال السرد التي نالت شهرة عالمية على مستوى كل القراء في أزمنة متعددة، جيلاً بعد جيل، وخلدت في الأذهان لكونها من الروائع والدرر التي سُكب على جوانبها الكثير من الإبداع الأدبي والأسلوبي واللغوي، فكان أن ترجمت من لغتها الأم إلى مختلف لغات العالم، وداخل الدولة الواحدة أعيدت كذلك ترجمتها لأكثر من مرة، وذلك يشير بطبيعة الحال إلى مكانة تلك العلامات الأدبية التي يصعب تجاوزها، وهنا تحديداً يبرز سؤال: ألم تكن ترجمة واحدة تكفي، لماذا نُقلت تلك الروائع إلى اللغة نفسها أكثر من مرة؟

استقبلت البلدان العربية المنتج الإبداعي الغربي وغيره بحفاوة بالغة، خاصة على مستوى أنماط الرواية والقصة والشعر والمسرح، فكانت الكلاسيكيات الروائية أمثال: «وداعاً أيها السلاح»، و«العجوز والبحر»، و«الحرب والسلام»، و«أنا كارنينا»، و«البؤساء»، و«هاملت»، والمجموعات الشعرية لكبار الشعراء وغير ذلك من الروائع التي تجد رواجاً كبيراً بين القراء بمختلف خلفياتهم التعليمية والثقافية، غير أن الملاحظ في ذلك الحراك، أن هذه الأيقونات الشعرية والسردية والمسرحية وحتى الفكرية، أعيدت ترجمتها أكثر من مرة، بل ظلت مسألة إعادة النقل إلى اللغة العربية مستمرة، وهنا يبرز سؤال ما الفائدة المرجوة من ذلك، ولماذا لا تكون هناك ترجمة واحدة وافية وكافية يعود إليها القارئ في كل مرة؟

 

الواقع أن العديد من المراقبين والكتاب والنقاد وأصحاب دور النشر والمترجمين يرون أن هناك أسباباً عدة تدفع إلى ترجمة الكتاب أكثر من مرة، ومن أشهر تلك الحجج التي ساقوها، الشعبية الكبيرة التي تجدها بعض الأعمال دون الأخرى، ما يدفع كلاً من المترجمين ودور النشر إلى تلبية رغبات القراء، حيث إن تلك الروائع تدرّ ربحاً كبيراً على دور النشر، وهناك أيضاً تطور اللغة وأساليب النقل، وأحياناً تصبح الترجمة الأصلية غير ملائمة، ما يجعل من المهم أن تكون هناك ترجمة جديدة تستخدم لغة أكثر حداثة ووضوحاً، غير أن ذلك الأمر لا ينطبق على كل الترجمات، فبعض القديمة، خاصة التي تمت بواسطة أدباء ومترجمين كبار تكون أكثر دقة من بعض أشكال الترجمة الجديدة، لكن بشكل عام، فإن المتغيرات وروح العصر التي تنعكس على اللغة وتطورها تفرض نفسها بشكل كبير، وفي بعض الأحيان يعاد اكتشاف كتاب بعد فترة من الزمن، ويحظى بالاهتمام مجدداً، وذلك يدفع دور النشر إلى إعادة ترجمته خاصة في بعض الأحداث والمنعطفات، فعلى سبيل المثال، ظهور جائحة كورونا أدى إلى تجديد ترجمة العديد من الأعمال الروائية التي تتناول الأمراض والكوارث البشرية أو التي حملت توقعاً بحدوثها.

تربة خاصة

يأتي ضمن أسباب إعادة الترجمة كذلك الرؤى والأساليب المختلفة للمترجمين، حيث إن بعضاً منهم يركز على روح النص ومعانيه، بينما يلجأ آخرون إلى النقل الحرفي الذي ينشد الأمانة، ويحمل كل مترجم في هذه الحالة رؤية مختلفة، فالترجمة في الأساس هي فعل تأويل مما يتيح بتعدد الرؤى، ومهما كان المترجم أميناً فهو ينتج نصاً جديداً، إذ يرى العديد من المشتغلين في حقل اللغة أن الترجمة فعل غير مكتمل يظل مفتوحاً على الدوام، وفي كل مرة هناك جديد يعمق قراءة النص ويثريه وكل ذلك يصب في مصلحة القراءة والقراء، ويرى ألبرتو مانغويل أن الترجمة فن وولادة جديدة يضيء وهو يحتفي بمن يصفهم بالمترجِمين «اللصوص»، الذين يستولون على ما ليس لهم ويزرعونه في تربة لغتهم الخاصة، كما أن التطور في تقنيات الترجمة يأتي ضمن أسباب إعادة النقل، خاصة في هذا العصر ومع ظهور الذكاء الاصطناعي الذي دخل بقوة في هذا المجال لدرجة أنه صار يُعتمد عليه مع مساعدة بشرية بسيطة.

تختار دور النشر الكتب صاحبة المبيعات الأعلى والشعبية الواسعة من أجل إعادة ترجمتها، وكذلك التي تحتوي مواضيع شديدة الصلة بالراهن، فعقب الأزمة المالية عام 2008، وكذلك لحظة صعود التيارات اليمينية بقوة في أمريكا والغرب مؤخراً تمت إعادة طباعة مؤلفات أدبية وفكرية تتحدث عن الهيمنة والشمولية، مثل أعمال كارل ماركس، وجورج أورويل، وتبع ذلك إعادة ترجمة تلك المؤلفات في العالم العربي.

مؤيدون ومعارضون

على الرغم من كل تلك الأسباب التي أشرنا إليها، والتي تبدو إيجابية إلى حد كبير، فإن عملية إعادة ترجمة المؤلفات الأدبية والفكرية في العالم العربي لم تخلُ من الجدل الشديد، وهناك من تناول ذلك اللغط بكل الحجج التي بذلت هنا وهناك ما بين رافض ومؤيد ومشترط، أي الذي يرى أنه لابد من شروط ومبررات لإعادة النقل، ومن أبرز الذين رصدوا ذلك الجدل المترجمُ والكاتب الدكتور مجدي حاج إبراهيم، مدير مركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها، حيث أشار في مقالته: «ظاهرة تعددية ترجمات النص الأدبي الواحد في العالم العربي: قراءة في ترجمات رواية «الشيخ والبحر»، إلى أن النقاد والمترجمين انقسموا تجاه تلك الظاهرة، فالمؤيدون يدفعون بأن الترجمة الأدبية تعمل على إعادة خلق الأصل، أو صناعة وحدة جديدة بين المحتوى والشكل على أساس اللغة، وذلك من شأنه أن يمنح مترجم النص الأدبي قدراً كبيراً من الحرية في التعامل مع النص الذي يترجمه، فعلى الرغم من أن ترجمة النص الأدبي يجب أن تكون في ظاهر الأمر أمينة للنص الأصلي بحيث توهم قارئها أنه أمام الأصل لا الترجمة، فإن ذلك لا يعني أننا سنصل إلى ترجمة كاملة ونهائية، وبالتالي، لا ضير من إعادة نقل النص الواحد إلى اللغة نفسها متى دعت الضرورة.

بينما يرى المعارضون أن إعادة ترجمة النص الواحد ترف وتبديد للجهد والوقت، خاصة إذا توافق ظهور ترجمات النص الواحد في فترات متقاربة، وأشار بعضهم إلى نصوص معينة مثل ظهور سبعة ترجمات ل«روميو وجوليت»، لشكسبير على يد أدباء كبار، ويرى هؤلاء المعترضون أنه من الضروري وجود ترجمة واحدة رصينة لأثر أجنبي واحد، حيث يُرجع الكاتب شوقي جلال أسباب انتشار ظاهرة تعدد الترجمات إلى ترف فردي في أغلب الأحيان، وجهد متباين الوجهات، ما يعكس غياب رؤية عربية عامة تعي مقومات العصر ومقتضياته وتحدياته، فالترجمة جهد فردي، وعلى الرغم من محدوديتها، فإنها تتم بدون تخطيط، وإنما انتقائية فردية على مستوى المترجم والناشر.

 

ظاهرة قديمة

ويصف العديد من المشتغلين في حقل الترجمة، أن إعادة نقل الإصدارات الأجنبية إلى اللغة العربية ليست جديدة، بل قديمة ففي رسالة حنين بن إسحاق إلى علي بن يحيى، يذكر بعض الكتب التي ترجمت إلى السريانية أو العربية أكثر من مرة، والسبب يعود – حسب قوله – إما لفساد الترجمة أو العثور على نسخ جديدة للأصل الذي تمت منه الترجمة، ولعل ذلك سبب يكاد يكون رئيسياً في إعادة الترجمة والنقل، وذلك يعيد إلى حقيقة أن الترجمة بنية مفتوحة ومستمرة، أو كما يرى عالم اللسانيات بول ريكور، فإن الأعمال العظيمة، قد شكّلت على مرّ العصور موضوع ترجمات عديدة، أو كما يرى المترجم والكاتب محمد عبد الغني حسن، أن الترجمات المتعددة للأثر الواحد في اللغة الواحدة هي في الحق نوافذ كثيرة مفتوحة على المعاني التي يتضمنها الأصل المترجم، وكلما كثرت هذه النوافذ كان الاستمتاع بالأصل أكثر.

تنافس إيجابي

يرى العديد من المترجمين والكتاب والنقاد، أن إعادة الترجمة تنطوي على لحظات إبداعية وتحتشد بالمتعة والتنافس الإيجابي جهة إبراز المقدرات اللغوية، لتصبح المؤلفات المعاد نقلها بمثابة بساتين متنوعة الثمار، فالكاتب والناقد الأمريكي جلبرت هايت طالب بأهمية تعدد الترجمات للأثر الفكري أو الأدب الواحد في اللغة الواحدة، حيث إن التراجم المتعددة إثراء للغة، وذلك ما ذهب إليه كذلك المترجم عبد الحميد الزاهد، والذي أشار إلى أن السبق إلى ترجمة أي عمل لا يحول دون إعادة نقله مرة أخرى، فالنص فضاء مفتوح، والترجمة قراءة، والقراءات تتعدد بتعدد القرّاء، والمترجم قارئ قبل أن يكون مترجماً.

شؤون وشجون

في كتابه «الترجمة إلى العربية.. قضايا وآراء»، الصادر عن دار الفكر العربي، عام 2001، يغوص الكاتب بشير العيسوى في شؤون وشجون الترجمة العربية، ويتناول جملة من القضايا مثل: «غياب المفهوم التاريخي في النصوص المترجمة إلى العربية»، و«تعريب العلوم وقضية الدولة»، و«اللغة العربية بين التصعيد والترجمة»، وغير ذلك من المواضيع التي تهم حقلي اللغة وحركة الترجمة في العالم العربي.

ويركز الكتاب على مسألة إعادة الترجمة، ووصفها بأنها واحدة من القضايا التي تلفت انتباه دارسي الترجمة، وتتلخص القضية في وجود عدد من الترجمات العربية التي تظهر من وقت لآخر في بلدان عربية متباعدة أو متقاربة ثقافة وحدوداً، وتلك الترجمات لا تختلف كثيراً عن بعضها البعض، طالما أن خطة المترجم هي النقل عن النص الأصلي للعمل موضوع الترجمة، ولا يرفض الكاتب تعددية النص المترجم إذا كان هناك ما يبرره، فظهور ترجمة عربية لعمل معين منذ مئة عام لن تكون صالحة لاستخدامنا الآن، وبذا تكون الترجمة الثانية أمراً واجباً وضرورياً.

غير أن الكتاب يعيب عملية إعادة نقل النصوص في فترات زمنية متقاربة وبشكل مكثف، حيث يشير إلى أن هناك مؤلفات أدبية بعينها نقلت إلى العربية أكثر من مرة في أوقات متقاربة، وتلك الظاهرة تستدعى من المثقفين والكتاب التوقف في محاولة لدراسة الأسباب التي أدت إلى وجودها، ومن ثم محاولة تلافيها كي لا تتكرر دونما داعٍ فعلى وعملي، ويشير الكتاب إلى أن من ضمن تلك الأسباب عدم وجود رابطة للمترجمين العرب يستطيعون من خلالها تنسيق أعمالهم التي ينوون ترجمتها مسبقاً، وكذلك التي تمت ترجمتها سابقاً.

ويشير الكتاب إلى أن الجهود المتفرقة في الترجمة تعبر عن جزر متفرقة وعوالم معزولة عن بعضها البعض، يعيش فيها المثقفون والكتاب العرب، فعلى الرغم من وجود أجهزة اتصال مثل التليفون والفاكس وبعض الأجهزة الحديثة، فإن مترجمي المشرق والمغرب لا يتواصلون مع بعضهم البعض، بالتالي لا يوجد تنسيق بين المترجمين، وذلك ما أدى إلى تعدد الترجمات، وعلى الرغم من أن العالم أصبح قرية صغيرة بفضل أدوات التواصل، فإن تلك المشكلة لا تزال قائمة.

يؤكد الكتاب، أيضاً أنه لا توجد بببليوغرافيا للأعمال المترجمة إلى العربية تغطي كافة الإصدارات في العالم العربي، ورغم وجود دليل للأعمال التي تمت ترجمتها عربياً، صدر في تونس، إلا أنه غير محدث، ونادى الكتاب بضرورة إنشاء بببليوغرافيا للأعمال الأدبية التي تم نقلها للعربية لتفادي عملية إعادة الترجمة دون أسباب واضحة ومقنعة، على أن يتم تحديث تلك الببليوغرافيا سنوياً، وكذلك الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة.

ويلاحظ الكتاب أن تعددية الترجمة تلك تظهر في النصوص الأدبية لا العلمية، وهو تحجيم لدور الترجمة العربية لكونها تشتغل على أنماط معرفية محددة، ويخلص الكتاب إلى أن تعددية النص المترجم قضية قائمة وهي لابد أن تواجه كل المشتغلين بالترجمة، ولكنها ليست مشكلة خطِرة تصل إلى حد إعاقة الترجمة ذاتها، وكذلك ليست هينة إلى حد تجاهلها، لذا وجب التوقف أمامها ودراسة بعض الأسباب المسؤولة عن وجودها.