ضربت إسرائيل أخماساً لأسداس، وقررت فرض السيطرة الكاملة على قطاع غزة، دون أن تكترث بالغضب الدولي المتصاعد جراء هذه الخطوة المسعورة، أو بالفاجعة الإنسانية المتفاقمة في تلك البقعة الصغيرة من الأرض الفلسطينية التي لم يبق فيها حجر على حجر بعد أكثر من 22 شهراً من القصف الجنوني والعمليات البرية والتنكيل المروّع بالسكان، قتلاً وتجويعاً وحصاراً ومحاولات فاشلة للتهجير القسري.
القرار الإسرائيلي المتهور، لم يكن مفاجئاً لأن الزمرة المتطرفة الحاكمة في تل أبيب لم تشفِ غليلها من العدوان، ولم تحقق أهدافها المعلنة باستعادة من بقي من الرهائن وكسر صمود الفلسطينيين المتشبّثين بأرضهم، وبدل أن تستجيب إلى دعوات وقف إطلاق النار وإبرام صفقة عرضها الوسطاء لتبادل الأسرى والرهائن، قفزت إلى الأمام بإعلان خطة لإعادة احتلال كامل القطاع وفرض أمر واقع بالقوة، رغم الانقسامات العلنية داخل إسرائيل حيال هذه المقامرة المتهورة، ورغم النداءات العربية والدولية للامتناع عن هذا الفعل الذي يتنافى مع قرارات الشرعية الدولية. وكان طبيعياً أن يواجه هذا التصرف ردود فعل واسعة عربياً وعالمياً، ودعوات إلى المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية والإنسانية ووقف هذا العبث بإنهاء المذبحة المستمرة في قطاع غزة وصولاً إلى إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ نحو ثمانية عقود وإقرار حقه المشروع في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
دولة الإمارات، التي تقوم بجهود دبلوماسية وإنسانية جبارة للتخفيف عن سكان قطاع غزة المحاصرين والمجوَّعين، دانت بأشد العبارات قرار الحكومة الإسرائيلية احتلال القطاع الفلسطيني، وحذرت من تداعيات هذا القرار الكارثية ووقوع المزيد من الضحايا الأبرياء واستفحال المأساة الإنسانية، مؤكدة في الوقت ذاته موقفها التاريخي الراسخ تجاه صون حقوق الشعب الفلسطيني، وضرورة إيجاد أفق سياسي جاد يُفضي إلى حل الصراع وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وأكدت أن لا استقرار في المنطقة إلا بحلّ الدولتين. ويتسق هذا الموقف مع المواقف العربية والإسلامية والغالبية الساحقة من المجتمع الدولي التي ترى في قرار إسرائيل استمراراً لانتهاكاتها الجسيمة القائمة على القتل والتجويع ومحاولات التهجير القسري وضم للأرض الفلسطينية وإرهاب المستوطنين وهي جرائم قد ترقى لأن تكون جرائم ضد الإنسانية، كما أنها تبدد أي فرصة لتحقيق السلام.
وقف التهوّر الإسرائيلي وكبح عدوانيّته مسؤولية المجتمع الدولي الذي لا يجب أن يظل متفرجاً على ما يجري ويسمح بكل هذا التطاول على المواثيق والمعاهدات الملزمة بالتنفيذ. والكرة الآن في مجلس الأمن، الذي سيعقد اجتماعاً في أجواء سياسية ساخنة اليوم، لبحث خطة اجتياح غزة، رغم أن النتيجة الأقرب ستكون عدم اتخاذ قرار بوقف هذه الخطة بسبب ازدواجية الموقف الأمريكي الذي سيكون جاهزاً لاستخدام حق النقض ضد أي قرار يدين إسرائيل. وغياب الحزم الدولي وفشل مجلس الأمن مرة أخرى في الانتصار للقضايا العادلة، سيضعف من قوة الردع ويفتح المجال لتصعيد كبير يعمّق الكارثة المزمنة لملايين الفلسطينيين في غزة، وأيضاً في الضفة الغربية التي تواجه بدورها عمليات تنكيل يومية بمداهمات قوات الاحتلال وإرهاب المستوطنين.