خلال روتين الحياة اليومي، نمر بمواقف بعضها عابر ونتوقف عند بعضها الآخر تمحيصاً وتفكيراً وطرحاً للتساؤلات عن الأسباب، ونستهجن أحياناً سلوكيات بعض الأفراد، وأحياناً أخرى تمر مرور الكرام دون أن نمنحها جزءاً من الثانية ليس لأنها غير مهمة، لكن يمكن إرجاع الأمر للاعتياد على مشاهدتها حتى أصبحت مألوفة أو غير مستهجنة.
من تلك المواقف التي قد تبدو غير مهمة إلا أنه إذا ما تم إمعان النظر في السلوك يمكن أن يأخذ التحليل عدة منحنيات نفسية واجتماعية وسلوكية، الوقوف عند أجهزة سحب النقود من البنوك والتي غالبيتها تضع عند الانتهاء من عملية السحب صورة تُخير العميل من خلالها ما إذا كان يرغب بالإيصال الورقي أو المساهمة في الحفاظ على البيئة.
الغريب والمُستهجن في الأمر أن البعض بالرغم من أن البنوك تقوم بإرسال رسالة نصية قصيرة تتضمن كافة المعلومات التي يحتاج اليها كعميل، يقوم باختيار إصدار الإيصال من الآلة ثم يلقيه أرضاً دون حتى أن يكبد نفسه عناء النظر في الإيصال، وهو ما يشير إلى عدم حاجته للإيصال الذي ألقاه أرضا، بالرغم من وجود سلة نفايات مخصصة للإيصالات بجانب الآلة، ليشوه المكان ويحرم نفسه من فرصة للمشاركة في الحفاظ على البيئة.
من المواقف الأخرى العابرة والتي لا نجد مبرراً لممارستها سوى أنها سلوكيات غير حضارية، صف المركبة بشكل عشوائي بحيث يقوم السائق بصف سيارته على الخط الفاصل الموضح والذي ينظم آلية اصطفاف المركبات ليحرم بذلك غيره من فرصة صف مركبته، أو الوقوف خلف المركبات والهبوط منها والتوجه للتسوق داخل السوبر ماركت دون أي اعتبار لسلوكه، ليبدأ السائق عملية بحث عن صاحب المركبة.
وفي المراكز التجارية يمكن رصد العديد من هذه المواقف العابرة سواء تجاوز الطوابير أو ترك الطعام على الطاولات في الردهات المخصصة للمطاعم بالرغم من أن بعض المراكز تضع لافتة تشير إلى أن الخدمة ذاتية وتخصص موقعاً لإلقاء بقايا الطعام، وترك الأبناء في المراكز التجارية دون حسيب أو رقيب على سلوكياتهم التي تسبب في أحيان كثيرة الإزعاج للمتسوقين.
مشاهد كثيرة ومواقف عابرة أكثر، تلفت أنظار البعض بينما لا يلتفت لها الشخص الذي يمارس هذه النوعية من السلوكيات، وهو ما يمكن إرجاعه إلى غياب المسؤولية الاجتماعية وعدم إدراك حجم السلبيات التي يعكسها عن نفسه ومجتمعه.
ربط عالم الاجتماع «ماكس فيبر» بين السلوك والمعنى الذي يعطيه الفرد له، بمعنى أن «من يمارس سلوكاً غير حضاري قد لا يرى فيه ضرراً، وربما يراه مقبولاً إذا كان محيطه يشجعه أو يغض الطرف عنه»، لذلك لا بد من أن يدرك هؤلاء ضرورة أن يعيدوا النظر في سلوكياتهم، ويمنحوها معاني أخرى تدفعهم نحو تغييرها تغييراً إيجابياً يليق بمستوى الحياة الحضارية في مجتمعنا.
[email protected]