هل أصبحت الكتابة بلغة عربية صحيحة خالية من الكوارث الإملائية «علّة» على قلب أبناء هذا الجيل، أثقلت أقلامهم وأزرار لوحة المفاتيح في أجهزتهم الإلكترونية، وعبثت بلغتنا الأم وحولت شاشات الهواتف المتحركة إلى مسرح جريمة لغوية وإملائية، قُتلت فيها الجُمل الصحيحة، واختفت بعض معالم الحركات والحروف بالتشويه.
قبل ما يقارب العقد من الزمن، كان وجود لوحة على محل تجاري تتضمن خطأً إملائياً، أمراً مثيراً للاستهجان من قبل أفراد المجتمع، وسبباً لتوجيه أصابع الاتهام نحو الاعتماد في كتابتها على أفراد من الغرباء على لغتنا أو الذين لا يجيدون الكتابة الصحيحة باللغة العربية، بينما الآن وفي عصر التكنولوجيا، باتت التشوهات اللغوية أمراً اعتيادياً لدى أبناء هذا الجيل، بل باتت مسلّمات متداولة على أنها صحيحة، والأدهى والأمر أن الأجيال تتناقلها وأصبحت الكتابة بلغة عربية سليمة أمراً مستهجناً وفي أحيان أخرى «غير مفهومة».
أصبحت التطبيقات في وسائل التواصل الاجتماعي، أشبه ما تكون بالمرآة التي تعكس لنا «حال» اللغة العربية وما آلت إليه بفعل فاعل، ضميره «نحن» أبناء هذه اللغة الأصيلة، ومن يتابع المحادثات أو العبارات المكتوبة والتي يتم تداولها في تلك التطبيقات، يكتشف الخطر الذي يحدق بمستقبل اللغة العربية الصحيحة لغوياً وإملائياً.
لا بد من إعادة اللغة العربية إلى قواعدها سالمة، خاصة أن الأجيال تتعاقب، والجديد منها يأخذ بتلك الأخطاء كمسلّمات لغوية ويضيف عليها أخطاءً إملائية ولغوية أخرى، وهو ما نشاهده اليوم بغصّة مثل «لاكن» بدلا من لكن، و«جدن» بدلاً من جداً، و«أصلن» بدلاً من أصلاً و«إنشاء الله» بدلاً من إن شاء الله، وما يزيد الطين بلّة عدم القدرة على التمييز ما بين التاء المربوطة والمفتوحة والهاء، ودمج الحروف بطريقة مزرية مثل «معليكم» بدلاً من ما عليكم، وغيرها الكثير من الجمل المعلولة بأخطاء فادحة.
السؤال الذي يطرح نفسه، هل من المعقول أن نوجّه أصابع اللوم والاتهام إلى التكنولوجيا الحديثة، أم أن هناك أسباباً أخرى؟ خاصة أن بعض أبناء هذا الجيل يجيدون اللغة العربية كتابة وقراءة دون أخطاء، بالرغم من استخدامهم للتقنيات الحديثة، وإتقانهم في نفس الوقت للغات أخرى غير العربية.
بات من الضروري البحث عن أسباب تراجع مستوى اللغة العربية لدى هذا الجيل، سواء من حيث آلية تعزيزها واسترجاع مكانتها، وإعادة النظر في أساليب تدريس اللغة العربية والابتعاد في تدريسها عن آلية السرد المُملّة التي تجعل الطالب ينبذ لغته الأصيلة، وتوجيه مدرسين اللغة العربية نحو ضرورة الابتكار في خلق أساليب تعليمية جاذبة.
والأهم من ذلك، محيط الأسرة الذي يجب توعيته بضرورة وأهمية إشعار الأبناء بمكانة وأهمية اللغة العربية وعدم نعتها ب «غير المهمة»، أو إكسابهم هذا الشعور بطريقة غير مباشرة وبدون قصد مثل التركيز على لغات أخرى، وإهمال اللغة الأم التي تعتبر هوية لا بد من المحافظة عليها.

[email protected]