صف طويل من الراحلين الفلسطينيين الشعراء والروائيين والفنانين والرسامين والمفكرين والباحثين والنقاد، انتهى إلى الغياب، وعادةً، يتحايل الفلسطيني على حزنه المتواصل هذا بالقول إن الموت ليس غياباً، بل هو حضور في الغياب، وهو وصف مجازي تطميني، فالرحيل هو الرحيل، ومن يغب من الكتاب والمثقفين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين لا يعوضه أحد، لا في الواقع ولا في التخيّل، ويظل هذا الصف الطويل الغائب حقيقة ثقافية عليها شهود عيان، لا يتوقفون عن الرثاء، الذي تحول إلى ظاهرة أدبية في اللغة الثقافية الفلسطينية.
عبد اللطيف عقل، إحسان عباس، محمد إبراهيم لافي، رشاد أبوشاور، حنا مقبل، إدوارد سعيد، مريد البرغوثي، عزالدين المناصرة، محمود درويش، سميح القاسم، غسان كنفاني، علي فودة، رسمي أبوعلي، إميل حبيبي، ناجي العلي، محمد القيسي، زكريا محمد، أحمد دحبور، خليل السواحري، وغيرهم ممن شكلوا التركيبة الثقافية والأدبية والجمالية الحقيقية منذ ثمانينات القرن العشرين، وقبل ذلك، رحل مؤسسو ذاكرة السبعينات من رواد الأدب (الشعر تحديداً)، والعجلة ما زالت تدور.
عمل هذا الصف الراحل في الجامعات، وفي الصحافة، وفي المؤسسات الثقافية، وبعضها كان ذا طابع تكويني مستقل، واللافت في هذا الصف الراحل أن الكثير من عناصره الثقافية والأدبية لم ينخرط في تيارات سياسية أو حزبية أو تنظيمية، وحتى لو كان بعض من هؤلاء مسيّساً بالمعنى التقليدي، فإنهم كانوا دائماً يحملون وجهات نظر نقدية تجاه كياناتهم السياسية الحزبية أو الأيديولوجية، والكثير منهم لم يكن راضياً عن فساد هذه الكيانات، وانتهازية بعضها، أو حتى انتهازية الكثير منها، ولذلك، تجد دائماً ما يشبه الغربة أو القطيعة بين السياسي الفلسطيني الرسمي أو الحزبي، وبين المثقف الفلسطيني النقدي المستقل.
أساء بعض السياسيين والفصائليين و«الزعامتيّين» إساءات كبرى للثقافة الفلسطينية ممثلة في شعرائها وكتّابها المستقلين الذين لم يركبوا على ظهر كيان سياسي بعينه، ولم يكونوا في مثل بشاعة الفساد السياسي عن تلك الطبقة الفلسطينية التي تسمّى في الأدبيات الإعلامية، أصحاب الفنادق، ذوي الامتيازات الفردية، وبلغة ثانية تجار الشنطة السياسية.
لكن المشكلة أن هذه الشنطة ليست سياسية فقط، بل هناك أيضاً شنطة ثقافية لها تجارها وحملتها الحرفيّون من بعض الكتّاب الذين يسمّون ركاب الموجات الصغيرة منها والعالية، وهؤلاء يشكلون ظاهرة في العالم كله، وليس في بيئة سياسية بعينها عربية أو غير عربية.
تجار الشنطة الثقافية لا يقلّون سوءاً عن تجار الشنطة السياسية، فهم معاً من دم واحد ومن فصيلة سيكولوجية واحدة، وأحياناً يتماهى التاجران معاً: المثقف يقدّم خدمات «سوبر ستار» للسياسي، والسياسي جاهز للدفع والتوقيع والمقايضة.
راحلونا الجميلون لم يكونوا حملة شنط، ولم يكن الواحد منهم يحمل سوى رأسه: فكرة وكرامته وهيبة قلمه.

[email protected]