يؤكد كثير من الباحثين والخبراء أن أدب الطفل العربي يقف حالياً أمام عاصفة غير مسبوقة من التحديات الرقمية، حيث لم يعد الحديث يدور فقط حول مفاضلة تقليدية بين الورق والشاشة أو الكتاب و«التابلت»، بل انتقل السؤال ليصبح سؤالاً مصيرياً وحضارياً، كيف يمكن للثقافة أن تصون دور الكتاب والأدب في تشكيل وعي الطفل العربي، وصقل مهاراته، في عالم أصبحت فيه الرقمنة والذكاء الاصطناعي المحرك الأساسي للحياة وصناعة المستقبل؟ وهل نحن مقبلون على نهاية عصر الحكاية الورقية وانتصار ساحق لعوالم افتراضية تتمدد كل يوم، أم أن للمقاومة والتجديد مساحة قائمة؟.

في الأعوام الأخيرة، كشفت الأجهزة الإلكترونية عن أدوار تتجاوز التسلية أو التعليم الجزئي، لتصير بؤراً ثقافية نشطة تعيد تشكيل مفاتيح الإدراك وأدوات التفكير والخيال لدى الأطفال، وفي دراسة حديثة نشرت بمجلة «Journal of Children and Media»، بينت أن استخدام الطفل اليوم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والألعاب التفاعلية يعيد رسم خريطة اهتماماته، ويجعله ينشأ داخل «منظومة رقمية» تنحت وجدانه وتطلعاته، وتفتح أمامه لغة جديدة ومهارات تواصل مختلفة جذرياً عما اختبرته الأجيال السابقة.

وتكشف الإحصاءات عن مؤشرات مقلقة، فنحو 72% من الأطفال (بين 5 و17 عاماً) باتوا يفضلون الألعاب الإلكترونية أو مشاهدة الفيديوهات القصيرة وتصفح الإنترنت، على حساب الإقبال على الكتاب التقليدي أو حتى الكتب الرقمية الكلاسيكية ذات الطابع القصصي، وتدعم دراسة أخرى من جامعة «كاستامونو» التركية هذا القلق، حيث أوضحت وجود علاقة عكسية مقلقة، كلما زاد الزمن الذي يمضيه الطفل مع الألعاب الرقمية، تراجعت شهيته للقراءة المتأنية، وإذا خفت هذا التعرض، عادت عادات القراءة والذائقة الأدبية للانتعاش.

تأثيرات

تشير تقارير تربوية حديثة إلى أن الزحف الرقمي يحمل تناقضات حساسة في تكوين الطفل، فمن جهة هو يمنح الأطفال بعض الذكاء الحوسبي، والحركة، وسرعة التفاعل، ومن جهة ثانية تؤكد دراسات علمية أن القراءة الرقمية مهما تطورت لا تضاهي الكتاب الورقي في تعميق الفهم، وبناء الذائقة الأدبية، والخيال النقدي، بل ثبت علمياً أن أثر القراءة الرقمية أضعف بنحو ستة إلى سبعة أضعاف مقارنة بالورقية.

وتزداد المخاوف لدى الباحثين عندما يحرم الطفل من لحظات الإصغاء لحكاية والدته قبل النوم أو استكشافه الفردي للكتب والصور والمعاني المتدفقة، فتتحول تجربته مع «الحكاية» إلى استهلاك سريع وسطحي ورسومي، وتضعف حصيلته من التأمل الذهني والحوار المعمق وخبراته في الاستماع والمناقشة، لصالح نصوص تبهجه بصرياً دون عمق في المضمون أو براعة في السرد.

من اللافت أن الأجيال الجديدة لم تعد تكتفي بالذائقة لديهم بقصة تُحكى أو كتاب يُقرأ بشكلها التقليدي، وإنما تعدى الأمر إلى أن أصبح الذكاء الاصطناعي ينتج ويوظف القصص ويبدع الرسومات الفورية وربما يولد الشخصيات التي تكون أحياناً من العدم.

وفي دراسة منشورة في مايو 2025 بمجلة «الذكاء الاصطناعي والذكاء المستقل»، عالجت فيه خطورة الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي، والتي قد تقود الطفل من مرحلة صانع للمعنى إلى متلقٍ فقط، عاجز عن اجتراح الأفكار والمشاريع الأصيلة، وذلك من خلال تحليل تجارب أطفال ومعلمين وأولياء أمور، حيث يجمع معظم المستجيبين للدراسة، على أن الذكاء الاصطناعي قد يكون محفزاً قوياً للخيال، لكنه في غياب الإشراف والضبط الأسري والتربوي يعزز الميل لسهولة الحلول وتراجع الاستقلالية النقدية، وفي تجربة بحثية أخرى في جامعة واشنطن خلصت إلى ضرورة وجود رقابة فاعلة من الأهل والمعلمين، خصوصاً للأطفال بين 7 و13 سنة، كي لا يتحول الذكاء الاصطناعي من داعم إلى بديل للفعل الإبداعي الحي.

حلقة مفقودة

على مستوى الإنتاج والنشر، فالوضع في العالم العربي يدعو للتوقف والتحليل، إذ أظهرت تقارير لليونسكو أن العالم العربي يصدر كتاباً واحداً فقط لكل 15 طفلاً سنوياً، مقابل معدلات تتراوح بين 6 إلى 10 كتب للطفل الواحد في العديد من الدول الغربية، ولجأت دور النشر العربية لتعويض هذا التراجع بالإكثار من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ليس فقط في الإنتاج السريع بل حتى في الترجمة والتسويق، مما أدى إلى فجوة «جودة» واضحة وأسهم في موجة اعتماد على المحتوى الرقمي الجاهز، فضاعت أحياناً الخصوصية الثقافية وتراجع التكيف مع المجتمع واللغة العربية.

ولعل الأخطر أن بعض الناشرين باتوا يعتمدون كلياً على توليد قصص بالذكاء الاصطناعي، متغافلين عن الجذور الثقافية واللهجة المحلية والاحتياجات التربوية الحقيقية للطفل العربي، في ظل منافسة شديدة من منصات ترفيهية رقمية عابرة للحدود والثقافات.

وسط غياب المبادرات المؤسسية المنظمة في العديد من البلدان العربية، تؤكد الدراسات أن علاقة الطفل العربي بالكتاب الورقي غالباً ما تقتصر على مناسبات مدرسية أو واجبات مفروضة لا على ممارسة يومية أو عادة راسخة، والأهل باتوا يلجأون إلى تسليم الطفل للأجهزة الرقمية تلبية للحاجة السريعة بضبط السلوك أو شغل الوقت، متجاهلين الأثر العميق للقراءة المشتركة والحوار القصصي في بناء دوافع الاكتشاف والتعلّم والشخصية المتفاعلة.

أرقام وتوصيات

وليست أزمة القراءة طفولةً عربية فقط، فقد كشفت بيانات ال National Literacy Trust في بريطانيا أن الأطفال الذين اقتصروا على القراءة الرقمية هم أقل تفوقاً في مهارات الفهم وأضعف ارتباطاً بالكتاب والعوالم الأدبية من أقرانهم الذين يوازنون بين القراءة الورقية والرقمية، وتشير الإحصاءات العالمية إلى زيادة الفروق الجندرية لصالح الفتيات في تفضيل الورقي، كما لوحظ التراجع الطوعي للقراءة لصالح ألعاب الفيديو والمحتوى البصري.

وتوصي التجارب الدولية بضرورة المزج الذكي بين الكتاب الورقي وأدوات التقنية (قصص تفاعلية، تطبيقات الواقع المعزز)، وضمان تواجد الكتاب الجيد، مطبوعاً ورقمياً، في البيئة المدرسية والمنزلية معاً.

هوية

في النهاية، المطلوب اليوم ليس وداعاً موسمياً لأدب الطفل ولا تسليماً للرقمنة الكاملة، الحقيقة الواقعية تقول إنه ثمة معركة ثقافية واعية لإعادة الاعتبار للحكاية الإنسانية وتجديد أدواتها بحيث يبقى الطفل العربي حاضراً في زمنه وعصره ومتواصلاً مع جذوره اللغوية والوجدانية، فبين دفتي كتاب وحكاية ترويها أُمّ أو جدّة، وبجوار المتحف الجديد للذكاء الاصطناعي، يجب أن تُصنع هوية الطفل العربي ويُبنى وعيه ويزدهر خياله.

إن مسؤولية حماية المستقبل الثقافي تبدأ من هنا... حيث يلتقي الورق بالتقنية، وتبقى الحكاية مهما تغير الوسيط الجسر الفكري المتين لبناء القيم والأمل وصياغة هوية أصيلة في عالم دائم التغير.

فوائد ومخاطر

في كتابه «أطفال العصر الرقمي»، يناقش المؤلف مارتن إل كوتشر كيف تؤثر هذه البيئة الرقمية في نمو الأطفال، وتعليمهم، وتطور مهاراتهم، مع إبراز الفوائد والمخاطر التي ترافق هذه الثورة التقنية.

يشير كوتشر إلى أن الأطفال اليوم هم «سكان رقميون أصليون»، نشؤوا وسط التكنولوجيا، ويمتلكون قدرة كبيرة على التعامل مع هذه الوسائط، هذا الجيل لا يعتبر مستهلكاً سلبياً للتكنولوجيا، ولكن في الحقيقة هو يستخدمها كوسيلة للتعلم والاستكشاف والتفاعل الاجتماعي، ما يفتح آفاقاً جديدة أمامهم تتجاوز الطرق التقليدية.

يمضي الكتاب في توضيح القدرات التعليمية التي تتيحها التقنيات الرقمية، مؤكداً أن المحتوى التفاعلي وإنشاء بيئات تعليمية رقمية يزيد من تحفيز الأطفال واكتسابهم للمعرفة. كما يشير إلى الأدوات الرقمية كوسائل مساعدة فعالة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين يجدون في الوسائط الرقمية دعماً لاستيعاب المعلومات والتواصل.

إضافة إلى ذلك، بحسب كوتشر تلعب الألعاب التعليمية والتطبيقات متعددة الوسائط دوراً كبيراً في تنمية التفكير النقدي والابتكار لدى الأطفال، ما يجعل عملية التعلم أكثر متعة وفاعلية.

وعلى الرغم من هذه الفوائد، يسلّط المؤلف الضوء على مخاطر شائعة، منها الإفراط في استخدام الشاشات وتأثيرها السلبي في التركيز والصحة النفسية وعدم انتظام النوم عند الأطفال، ويضيف أن عدم مراقبة المحتوى الرقمي يعرّض الأطفال لمخاطر، مثل الإعلانات المضللة والألعاب غير الملائمة، فضلاً عن مخاطر فقدان الخصوصية عبر جمع البيانات الرقمية.

يؤكد الكتاب وجود فجوة رقمية بين أطفال يحصلون على أدوات تقنية متطورة وآخرين محرومين منها، ما يؤثر في فرص التعلم ويعمّق الفجوة الاجتماعية، ويرى كوتشر أن الأسرة هي أول خط دفاع في توجيه استخدام الأطفال للتكنولوجيا. ولابد من اعتماد أساليب وساطة ورقابة تتناسب مع مستويات الأطفال العمرية، وتوفير تعليم للكفاءة الرقمية التي تساعد الطفل على استخدام التكنولوجيا بوعي ومسؤولية.

إلى جانب ذلك، يلعب المجتمع التربوي دوراً مهماً في تضمين التكنولوجيا ضمن المناهج بشكل ذكي، يعزز مهارات التفكير والإبداع، ويبني شخصية الطفل بطريقة متوازنة تتلاءم مع متطلبات العصر.

يناقش الكتاب أيضاً كيف تطور أدب الأطفال من النصوص المطبوعة إلى وسائل رقمية تفاعلية تضم الصوت والصورة والحركة، الأمر الذي يرفع من قدرة الكتب على جذب الطفل، وتعزيز مهارات القراءة والفهم بشكل عصري.

ضرورة ملحة

كتاب «الرقمية وأدب الأطفال» للدكتورة بخيتة حامد إبراهيم هو دراسة نشرت ضمن سلسلة «الكتاب الأول» التي يصدرها المجلس الأعلى للثقافة في مصر، ويأتي الكتاب تزامناً مع توسع تأثير التكنولوجيا الرقمية في حياة الأطفال وثقافتهم وأدبهم.

يبدأ الكتاب بمقدمة تعرف القارئ إلى عالم الثقافة التكنولوجية للأطفال، حيث يشرح الفصل الأول «مدخل الثقافة التكنولوجية والأطفال» مفهوم تكنولوجيا الاتصال الحديثة ووظائفها المتعددة في التعليم والاتصال والترفيه، ثم ينتقل إلى طرح أهمية تأقلم أدب الطفل مع التحول الرقمي، وتغير نمط استهلاك الأطفال للحكايات والقصص عبر الوسائط الرقمية الحديثة كالأجهزة اللوحية والهواتف الذكية التي يقضي الأطفال ساعات طويلة أمامها.

يتناول الفصل الثاني تحت عنوان «أدب الطفل في ضوء الوسائط الرقمية» مفهوم الأدب الرقمي، الذي يوصف بأنه جنس أدبي جديد يدمج المؤثرات اللسانية وغير اللسانية، ويبدل دور المبدع والقارئ، بحيث يصبح المتلقي مستخدماً متفاعلاً، فليست القراءة عملية استهلاكية فقط، بل تتضمن تفاعلاً واستخداماً، كما يستعرض هذا الفصل تاريخ نشأة أدب الطفل عبر مراحل تطوره مع التقنية: من المرحلة الشفاهية مروراً بالمرحلة الكتابية إلى المرحلة الرقمية، ويوضح أهداف الرقمنة في الأدب، مثل الحفظ والتخزين والمشاركة وسرعة الاسترجاع وسهولة الاستخدام.

يخصص الفصل الثالث مساحة للاطلاع على آراء مجموعة من المختصين والكتاب حول الإيجابيات والسلبيات للرقمنة في أدب الأطفال، إذ تباينت الآراء لكنها اتفقت على أن المستقبل يدعم الأدب الرقمي، الذي لا يلغي الأدب الورقي لكنه يقلل من هيمنته، فالكتاب الرقمي يعتمد على الكتاب الورقي، لكنه يفتقد متعة وخيال الطفل الحسية التي يخلقها الكتاب التقليدي، خاصة حرية الحركة والتفاعل أثناء القراءة، على الرغم من أن الرقمنة توفر سرعة البحث والمعلومات وأساليب ترفيهية مثل الألعاب الإلكترونية.

تبرز الدكتورة بخيتة في دراساتها أيضاً أثر التحول الرقمي في تشكيل الوعي الثقافي والأدبي لدى الأطفال، حيث يرى أن ازدياد استخدام الوسائط الرقمية بين الفئات العمرية المختلفة يستدعي استثمار هذه الوسائط في تنمية المفاهيم والمهارات الأدبية والثقافية بطريقة إيجابية، بما يسهم في إثراء شخصية الطفل ثقافياً وأدبياً.

ويتضمن الكتاب تعريفات بعناصر العملية الإبداعية الرقمية: المبدع والنص والمتلقي، إضافة إلى الأجناس الأدبية الرقمية كالقصة الرقمية، والنص الشعري الرقمي، والنص المسرحي الرقمي، ومدى تفاعلها مع الوسائط التقنية الحديثة، وتؤكد الدراسة ضرورة مواكبة التحول الرقمي كواقع حتمي في حياة الأطفال لما له من تأثير ملموس في تنمية أخلاقهم وثقافتهم وأدبهم.

الكتاب يحتوي على مصطلحات متجددة وجديدة بسبب طبيعة الأدب الرقمي، ويعرض التحولات في أجهزة القراءة والكتابة التي صحبت تقنية الرقمنة في أدب الطفل ليقدم رؤية متكاملة حول العلاقة التفاعلية بين التكنولوجيا والطفل.

يقدم الكتاب دراسة تحليلية حول كيف أصبح الأدب الرقمي ضرورة ملحة في عصرنا، وكيف يمكن الأدب التقليدي التكيف مع هذا التحول ليخدم الطفل الذي أصبح جزءاً من مجتمع متغير، ويؤكد أن التحول الرقمي هو فرصة لا تحدٍّ يجب اغتنامها لتعزيز الثقافة الأدبية لدى الأطفال.