لقطة أو مشهد أو حتى صورة، بإمكانها أن تخبرك قصة، وتعرض أمامك حقائق كثيرة، وكأنها تختصر الواقع، بلا حاجة لأي كلمة، ولأي شرح وتفسير، وخلال تصفحك مواقع التواصل الاجتماعي، تقع أحياناً على لقطات مختلفة، مثل تلك الصورة التي شاهدتها على «إكس»، يختصر فيها أحد رسامي الكاريكاتير الأجانب حال البشر اليوم، حيث رسم مجموعة كبيرة من الناس، من مختلف الأعمار، يمشون في كل الاتجاهات، وكأنهم في زحام، وكل فرد ينظر إلى هاتفه المحمول، مشهد لوّنه الرسام بالرمادي، بينما في زاوية أخرى من الصورة تركها باللون الأبيض، رسم مقعداً خشبياً بنياً يجلس عليه بهدوء وسكينة روبوت يحمل بين يديه كتاباً ورقياً يقرأه، وبجانبه طفل روبوت يرسم على ورقة وردة ويلوّنها بأقلام التلوين التي عشقناها في طفولتنا!
مشهد بألف رسالة ومعنى، كل الحقيقة التي نعيشها اجتمعت في هذه الصورة، لتحكي عن واقع مؤسف وينذر بمستقبل رمادي، نعم، الآلة التي نسعد باستخدامها اليوم لمساعدتنا في أعمالنا تحولت بفضل الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لتعطيل الذكاء البشري، فالطالب يستسهل اللجوء إلى هاتفه لحل أي مسألة حسابية بسيطة، بلا تشغيل للذاكرة ولا إعمال للعقل، حتى ولو كان من أجل جمع رقمين بسيطين، ما يعني أننا نترحم على جدول الضرب الذي كنا نحفظه عن ظهر قلب، ونعيده ونكرره باستمرار، كي ننشط ذاكرتنا ونتعلم السرعة في العمليات الحسابية اليومية! والكل يستسهل تكليف الذكاء الاصطناعي عملية البحث عن المعلومات وعن الأفكار الجديدة، بل إن البعض يلجأ إليه لكتابة رسائل أو أي ورقة عمل..
غداً، سنصبح عبيداً للآلة، وسيصبح هذا «الاصطناعي» أكثر ذكاء منا، وأكثر فهماً لطبيعتنا ولحياتنا، وأكثر قدرة على حل كل مشكلاتنا، والتفكير في مستقبلنا، وإدارة حياتنا كيفما يشاء هو، بينما نحن نستسلم لإرادته بعد أن سلمناه كل مفاتيحنا وأسرارنا وعقولنا، ولا نستغرب إن وجدنا الإنسان الآلي أكثر فهماً وتقديراً لقيمة كل ما تخلينا عنه بإرادتنا، وكل العلوم والمعارف والثقافة والكتب والحياة الطبيعية التي كنا نرتبط فيها بعلاقة وثيقة بين وسائل العيش ومشاعرنا وذاكرتنا ومخيلتنا، كنا نرتبط بالقلم والكتاب والورقة والوردة والبيت والجدران والشجر والنهر والطبيعة والجيران والأصدقاء.. بروابط حسية ملموسة لا افتراضية، فكانت تولد منها المشاعر الجميلة التي نتعلم منها كيف نحافظ على إنسانيتنا ومبادئنا وثقافتنا وتراثنا وعلى ارتباطنا الإنساني العاطفي بالأرض والحياة والبيئة والمجتمع.. كنا نحن الحياة في المشهد، فصرنا صورة جامدة تمر بجانب الحياة بلا لون ولا روح، صرنا الآلة الرمادية.
صرنا الآلة الرمادية
14 أغسطس 2025 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 أغسطس 02:23 2025
شارك