أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر كلمة «ثقافة» هو الحديث عن كتاب، مسرحية، معرض فني، أو ربما حفلة موسيقية أو مهرجان شعبي، لكن هناك جانباً أقل ظهوراً، لكنه لا يقل أهمية عن أي إبداع، وهو «الإحصاء الثقافي»، والثقافة لكي تستمر وتتطور، تحتاج إلى معرفة دقيقة بواقعها وحجمها وتأثيرها، لكن بدون بيانات موثوقة، تظل السياسات الثقافية رهينة الانطباعات الشخصية والعشوائية، وغالباً ما تبنى على قراءات سطحية لا تعكس الاحتياجات الحقيقية للمجتمع أو المبدعين الذين يصنعونها.
العام الماضي أطلق معهد اليونسكو للإحصاء استشارة عالمية لتحديث «الإطار الإحصائي للثقافة» الذي وضع أول مرة عام 2009، الهدف من هذا المشروع الطموح هو إصدار نسخة جديدة تراعي التغييرات المتسارعة في المشهد الثقافي العالمي، وتكون أكثر مرونة وشمولاً، ويهدف الإطار إلى تمكين الدول من جمع وتحليل البيانات الثقافية بطريقة موحدة يمكن مقارنتها على الصعيد العالمي.
يركز هذا الإطار المتجدد على ما تسميه اليونسكو بـ«النظام البيئي الثقافي والإبداعي»، والذي يتجاوز مجرد الأعمال الفنية ليشمل التعليم الثقافي، الصناعات الإبداعية، المشاركة المجتمعية، وتأثير الثقافة في الاقتصاد، الصحة، والهوية الوطنية، ومختلف جوانب النهضة البشرية.
وإذا أردنا الإيجاز، فإن هذا المشروع يعتمد على فكرة معيار إحصائي موحد، لكنه في الوقت ذاته يتيح لكل دولة أن تعدل هذا المعيار بما يتناسب مع خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن الثقافة بطبيعتها ليست قالباً جامداً، وما ينفع دولة قد لا يناسب أخرى.
لعل الجديد في هذا التحديث هو اعتماد أدوات حديثة لجمع البيانات، تبدأ بالتعدادات التقليدية، وتمر بالبيانات الإدارية، وتنتهي بتحليل البيانات الضخمة التي توفرها المنصات الرقمية على الإنترنت، وهذا يوفر رؤية أشمل وعميقة عن سلوكيات المستهلك الثقافي وأنماط الإنتاج الإبداعي، ما يسمح بوضع سياسات أكثر دقة وملاءمة.
اليوم تقاس مؤشرات التنمية في كل الدول بالأرقام، ابتداء من الناتج المحلي الإجمالي إلى متوسطات الصحة والتعليم. فلماذا يُترك قطاع الثقافة خارج هذه المعادلة؟ عندما نعرف حجم القراءة، والأنواع الفنية التي يستهلكها الجمهور، وتأثير الثقافة في سلوك الناس، يمكننا صياغة سياسات تدعم المبدعين وتوسع دائرة المستفيدين.
لكن الإحصاء وحده لا يكفي، فالأرقام، بلا سياق وتحليل عميق، قد تكون مضللة أو ناقصة. يتطلب الأمر قراءة متأنية تربط البيانات بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فليتحول الرقم إلى قرار، والقرار إلى مبادرة، والمبادرة إلى أثر يحسه الناس في حياتهم اليومية.
الثقافة اليوم أصبحت إحدى الركائز الأساسية لبناء المجتمعات وصياغة مستقبلها، والإطار الإحصائي الجديد لليونسكو فرصة ذهبية لننظر إلى ثقافتنا بعين الباحث والعالم لا فقط كمتفرجين.

[email protected]