نحن الآن في متاهة شبكة لانهائية من الخوارزميات التي يبدو أنها سترسم أو ستحدد مسار البشرية إلى أزمان لا يمكن التنبؤ بمآلاتها، كل شيء اليوم صار محكوماً بأزرار وأوامر ذكية وبيانات لا ندري كيف تعمل، وكأننا أمام غابة من الرموز والمصطلحات التي ستحدد مسارات حياتنا الثقافية والاجتماعية، وأكثر من ذلك، احتمال أن يتعرض الإنسان إلى خطر يهدد وجوده، هو بكل تأكيد سيناريو مزعج، أبرز جوانبه فقدان السيطرة على هذا «الذكاء» مع تطور أنظمته التي تتفوق على القدرات البشرية، وإمكانية خروجها عن السيطرة وأخذ قرارات تهدد بقاء البشرية.
في الماضي، كانت المسافة بين الأدب والإنسان قريبة إلى حدود التعاطي العاطفي الحميمي، الذي يبقي الإنسان محكوماً بخيط من الأمل الرفيع، أما في عصر الذكاء، فقد باتت علاقة الإنسان بالأدب في طور تحول جذري، فالآلة تقدم أدوات تمكِّن البعض من الكتابة، بينما يبقى الإبداع الحقيقي والعمق الشعوري مرتبطين بتجربة الإنسان ووعيه.
الذكاء الاصطناعي لن يلغي الكاتب، بل يعمل كشريك معرفي في مراجعة اللغة والعصف الذهني، وهو هنا، أدب مولد آلياً لكنه يفتقد في الغالب إلى الصدق العاطفي.
في عصر الذكاء الاصطناعي، نحن أمام ثنائية «الخفة» و«الثقل»، فالآلات تجرد الحياة من «ثقل» التجربة والمسؤولية، فتهدد بإغراق الوجود في خفة زائفة ومعلوماتية لا تحتمل، بينما يصبح التشبث بالمعنى البشري الحقيقي والفريد هو «الثقل» المقاوم لضياع الهوية.
في عصر الخوارزميات، تتشكل خفة الكائن «ومصيره في محاور أساسية، كتفريغ المعنى وتسطيح الوجود، واستهلاك المحتوى الذي يولده الذكاء الاصطناعي ليحول الوجود إلى مجرد (خوارزمية تنبؤية) تفرغ الحياة من المشاعر، وتجعل الخيارات بلا عواقب حقيقية.
الحياة كانت في الماضي، تكتسب ثقلها من القرارات المصيرية، أما اليوم، فقد استحالت الحياة إلى مسودات بلا نهايات أو أصالة، والخيار الوحيد المطروح أمام الأديب والمفكر هو «المقاومة» فملاذ الإنسان في تمسكه بالعفوية، وتحمل مسؤولية القرار، وبناء العلاقات الحقيقية التي تعجز الآلة عن فهمها أو محاكاتها.
