لم تعد حالة المجاعة في قطاع غزة قابلة للتوصيف، بعدما بلغت أسوأ درجات الكارثة التي مازالت إسرائيل تنكر حدوثها وتستمر في خططها العدوانية، بينما مازال المجتمع الدولي يقف متفرجاً، ولم تصدر عنه غير صيحات الفزع والاستنكار والدعوات الملحّة لوقف دوامة الموت والإبادة جرّاء سوء التغذية، وما تفعله آلة الحرب المجنونة.
لم تمضِ ساعات على إعلان الأمم المتحدة رسمياً تفشّي المجاعة في القطاع الفلسطيني، حتى بدأ عدد الضحايا يتسارع، وسجل نحو ثماني وفيات في أقل من 24 ساعة، وسط تحذيرات من أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة لإنقاذ نحو نصف مليون إنسان من أصل أكثر من مليونين، يواجه الكثير منهم الموت في كل دقيقة، ولو سمح المجتمع الدولي بحدوث ذلك، فسيكون مسؤولاً عن عار لا يُمحى وذنب لا يغفر وفضيحة لا يمكن غسل أدرانها، مهما أبدى من التعاطف مع الضحايا ودبج بيانات الإدانة للجاني.
وبعدما بلغ الوضع في غزة هذه الدرجة، فإن المسؤولية الدولية تقتضي التحرك العملي لإغاثة الناس وإجبار القوة المعتدية على وقف تهورها، فهذه المجاعة القاتلة، أكثر منها كارثة إنسانية، أصبحت اختباراً حقيقياً للنظام الدولي ومحكّاً فعلياً لقياس مدى مصداقيته وجديته وكفاءته.
وبعد الإعلان الأممي، كان يفترض أن يتداعى مجلس الأمن الدولي إلى اجتماع طارئ، وأن يتخذ إجراءً ملزماً بتسريع وصول المساعدات الغذائية والطبية، ويفرض على الأقل هدنة إنسانية إن كان لا يقدر على إنهاء الحرب، ولكن هذا المجلس، الذي يعبر عن إرادة المجتمع الدولي، متهمٌ أيضاً بالتخاذل والعجز عن تنفيذ واحدة من أهم أهدافه، وهي حماية المدنيين من الحروب والكوارث، خصوصاً التي تكون من صنع الإنسان، مثلما وصفها الأمين العام للمنظمة الأممية أنطونيو غوتيريش. وفي حالة غزة، فإن الكارثة من صنع إسرائيل، وقد تتطور لتصبح من صنع المجتمع الدولي إذا لم يتدخل بالسرعة المطلوبة وبالنجوع النافذ لإنهاء هذا الوضع بكل الوسائل المتاحة.
هناك دول وأطراف كثيرة صادقة النوايا ومخلصة العمل، مثل دولة الإمارات، التي انخرطت منذ اليوم الأول لاندلاع الأزمة في مهمة إنسانية سامية، ومازالت على العهد والمبدأ في إدخال المساعدات الإغاثية وإسعاف المرضى والمصابين، ولكنّ حل هذه الأزمة مسؤولية المجتمع الدولي، لأن القضية تتجاوز الوضع المأساوي في غزة إلى الحق الفلسطيني المسلوب، الذي لا بد أن يرى النور يوماً وتتحقق العدالة، كما تنص الشرعية الأممية وروح القانون الدولي.
المجاعة في غزة، لم تكن من تداعيات الحرب، بل هي خطة عسكرية تنتهجها إسرائيل لتحقيق هدفها الخبيث في تهجير السكان، ولا سيما أهالي مدينة غزة، ولم يكن ذلك خافياً، بل هو معلن على ألسنة بعض الوزراء المتطرفين في حكومة بنيامين نتنياهو، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذين يطلقان من حين إلى آخر تصريحات تعج عنصرية وكراهية وتحريضاً على قتل الأبرياء من النساء والأطفال، متوهّمَيْن أن ذلك كفيل بإنهاء هذه الحرب وتحقيق مشروع استعماري استيطاني على أنقاض قطاع غزة.
مجاعة غزة تختبر النظام الدولي
24 أغسطس 2025 00:02 صباحًا
|
آخر تحديث:
24 أغسطس 00:02 2025
شارك