يمكن القول إن التحولات في المواقف الغربية، خاصة الأوروبية، تجاه إسرائيل، هي أبرز خسائرها من استمرار الحرب في غزة، التي دفعت الأمم المتحدة إلى إعلان المجاعة فيها وتحميل الجانب الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عنها. ويمثل ما شهدته الحكومة الهولندية من تفكك على خلفية خلاف بين أعضائها حول فرض عقوبات على إسرائيل بسبب الحرب في غزة، أحدث دليل على تغييرات جوهرية في طبيعة تعامل دول كثيرة حول العالم مع الجانب الإسرائيلي الذي راهن طويلاً على أن أفعاله، مهما بلغ شططها وقسوتها، تمر بلا موقف حازم إزاءها، إمّا حفاظاً على مصالح اقتصادية معه، وإمّا تأثراً بضغوط أمريكية.
استقالة جميع أعضاء حزب «العقد الاجتماعي الجديد» في حكومة تصريف الأعمال الهولندية، لحاقاً بوزير الخارجية، بسبب فشل فرض عقوبات على إسرائيل جرّاء موقفها من الحرب في القطاع، هي تصرف يمثل حالة التبرّم العالمي مما فعلته وتفعله في تجاوز سافر لكل القوانين والمواثيق. هذا التبرّم الذي يتدرّج منذ شهور وتمثّل في مظاهرات شعبية أو تصريحات لرؤساء دول وزعماء حكومات، لم يكن متصوراً أن يكون سبباً في انهيار حكومات على هذا النحو، وبعد نقاش حول إجراءات لمعاقبة إسرائيل رداً على الإبادة والتجويع بحق سكان غزة.
وكان هذا النقاش استمراراً لموقف هولندي حادّ تجاه إسرائيل أبرز محطاته السابقة إعلان أمستردام إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الوزيرين الإسرائيليين اليمينيين «شخصين غير مرغوب فيهما» في يوليو/ تموز الماضي. وتلا ذلك، توقيع هولندا، ضمن 21 دولة، بياناً مشتركاً رفض مصادقة إسرائيل على مشروع استيطاني كبير في الضفة الغربية المحتلة واعتبره مخالفاً للقانون الدولي.
وفي هذا الاتجاه أيضاً، يجدر التوقف عند وصف ديفيد لامي، وزير الخارجية البريطاني، المجاعة التي يعانيها أهالي غزة ب«فضيحة أخلاقية» و«كارثة من صنع الإنسان». وقبل ذلك الموقف البريطاني، يمكن استدعاء انتقاد الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، إسرائيل بشدة، نهاية الشهر الماضي، بسبب الأزمة الإنسانية والعنف في قطاع غزة، قائلاً إن الوضع يزداد «خطورة وفظاعة يوماً بعد يوم». وفيما ينسجم مع روح التبرّم الغربي، حذر ماتاريلا من تناسي إسرائيل أن الحرب تُنشئ قُوىً معارضة جديدة، وتجند أعداءً جُدداً.
وبرزت أيضاً أصوات في «الكونغرس» الأمريكي تطالب بوقف تمويل واشنطن حرب إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني بعدما منعت المساعدات الإنسانية، وتسببت بمجاعة هائلة في غزة. ودعا النواب إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى ممارسة ضغوط جديّة على الحكومة الإسرائيلية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، محذرين من أنّ توسيع العمليات العسكرية يُهدد بشكلٍ خطير جهود الإغاثة الإنسانية.
حين تُضاف هذه المواقف إلى توجّه دول عدة صوب الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإنها ترسّخ ما قيل عن عزلة إسرائيل دولياً، والسخط العالمي من سياساتها التي وإن كانت تبطش بالفلسطينيين أولاً، خاصة في غزة، فإنها مُهددة أيضاً للسلام إلى حد يجعلها عبئاً على العالم.