يلاحظ الجميع العمل المستمر الذي تقوم به دولة الإمارات من أجل توعية المجتمع بمدى أهمية مواجهة الفكر المتطرف من خلال إيصال رسالة التوعية عن طريق المنابر الرسمية في الدولة، الأمر الذي يدل على أهمية مواجهة هذا الفكر والتصدي له بكل وعي وقوة، ومن خلال تمكين أفراد المجتمع بتوضيح طرق وأساليب المتطرفين، ومن هنا يمكننا القول بأن مواجهة التطرف هي مسؤولية مجتمعية تقع على عاتق كل فرد من أفراد المجتمع، على الوالدين في المنزل أولاً، والموظفين في مختلف قطاعات الدولة، والطلبة في مختلف المراحل العمرية. فواجب التصدي لا يقتصر فقط على الجهات الرسمية والمعنية في الدولة، فكلنا مسؤول عن حماية فكر أبناء المجتمع، وحماية مكتسبات الوطن من أي متطرف، وكما أنني أشدد على دور الأسرة، فهي المعلم الأول للأبناء، ومن واجبها أن تتابعهم وتحثهم على الوعي والحذر من خلال الإشراف المباشر عليهم، والتعرف إلى أفكارهم وطموحهم، فحماية شبابنا مسؤولية كبيرة، وخطورة التطرف تكون أعظم عندما يتعلق الأمر بالشباب. فالتطرف يؤدي إلى تحول الشباب من أداة بناء لأوطانهم إلى أفراد يكرهون بناء أوطانهم ويتقاعسون عن الذود عنها وحمايتها، بل ويصبحون أداة تخريب وتدمير.
نحن هنا لا نضع اللوم على الأسرة بوجه الخصوص، فقد لا يكون هناك تقصير في التربية، ولكن مع ذلك يوجد سلوك متشدد أو متطرف، وقد يكون أحد الأسباب أن الشباب ينحرفون في مقتبل أعمارهم بسبب عدم نضج المشاعر والأفكار وقلة الخبرة في التعامل الاجتماعي ومصاحبة رفاق السوء.
ومن المهم معرفة الأفكار الشخصية لأبناء الأسرة الواحدة، والنظر فيما إن كانت هناك جوانب يجب متابعتها ودعمها، وفيما إذا كانت هناك أي أفكار تم إهمالها، فمن الممكن أن تؤدي مستقبلاً إلى التطرف، فالأسرة لها دور كبير في غرس القيم النبيلة وتربية الأبناء ولها الدور الأكبر في خلق مجتمع متماسك ومتمكن من صد كل التحديات الدخيلة عليه، كما أننا يجب ألا نغفل عن تأثير الصحبة في حياة أبنائنا، فسوء البيئة المحيطة بالفرد مادياً ومعنوياً له تأثير كبير جداً في هدم أفكاره وتلويثها، والعكس صحيح، فوجود الشباب في بيئة سليمة يجعل منهم أدوات لبناء الوطن ورسم مستقبله المزدهر.
وفي هذا السياق نشيد بمبادرة الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، وتطرقها عبر منابر خطب الجمعة إلى أهمية حماية أبناء المجتمع من التطرف، وتوعيتها للآباء حول أهمية أن تكون الأسرة متماسكة وحصناً منيعاً من التطرف والانحراف وحضناً آمناً من التهديد والاختطاف.
ولأن الفكر لا يُعالج إلا بالفكر، فدور الجهات المعنية في التعليم لا يقل أهمية عن دور الأسرة، وما نشهده اليوم من اهتمام بالغ بتطوير المعلمين والمناهج واللغات والوسائل التعليمية والأنشطة بصورة تضمن محاربة التطرف يؤكد أن التعليم المسؤول والواعي يلعب دوراً كبيراً في القضاء على أي بيئة خصبة يستغلها المتطرفون لنشر أفكارهم. كما يسهم التعليم الواعي في خلق جيل من الأطفال والشباب منذ الصغر على منظومة من القيم الإيجابية التي تقوم على أساس التعايش والاعتدال والتسامح ونبذ التعصب والتطرف والإرهاب.
نعلم جميعاً أن الدولة لم تهمل أي جانب من جوانب دعم المجتمع لمواجهة هذه الظاهرة، ولكن الوعي والتذكير الدائم بألا نغفل أن المتطرف يقتنص الفرص المناسبة التي يدخل من خلالها على المجتمع لتنفيذ أجندته الهدامة، وهنا يمكنني التطرق إلى مدى أهمية أن يكون الشباب على قدر كبير من المسؤولية والوعي، وأن يدركوا أنهم أدوات بناء الوطن، وهم مستقبله، وفي الوقت نفسه أن يدركوا خطورة الفكر المتطرف، وأنهم مستهدفون من قبل المتربصين وأصحاب الأجندات الخبيثة، وأن ذلك يتطلب أن يحموا أفكارهم، ويراقبوا سلوكهم، فالمسؤولية تقع على عاتقهم أيضاً، فلا يتساهل أي شاب مع أي فكرة متطرفة من قبل أي كان، ولا يقبل أن تكون حياته وحياة أسرته ووطنه سلعة يمكن المتاجرة بها، كما يجب على شبابنا إدراك أن المتطرف يستخدم العديد من الطرق والأساليب التي يمكن أن يتم استدراج الشباب دون قصد منهم أو وعي، وذلك من خلال التعاطف على سبيل المثال في حال التبرعات للمحتاجين من جهات غير مصرح لها، أو حضور ندوات ومحاضرات غير مرخص لها، أو سماع القصص البطولية المزيفة، أو الانخراط مع أولئك المتطرفين في صداقات غير مسؤولة، والكثير الكثير من الطرق الأخرى التي لا تخفى عليكم.
حفظ الله الإمارات وسائر بلاد العالم، اللهم اجعل بلدنا بلداً آمناً مطمئناً وشعباً موحداً قوياً.
[email protected]