لم تعد المساواة بين الرجل والمرأة مجرد شعارات ترفع في المؤتمرات أو مادة للجدل في النقاشات العامة، بل أصبحت واقعاً ملموساً نراه في ميادين الحياة المختلفة، فالمرأة اليوم ولله الحمد، تتصدر المشهد في العديد من المجالات، من الطب والتعليم والهندسة والقيادة وغيرها من المجالات، وأصبحت قادرة على المنافسة في سوق العمل بقوة، لأنها أثبتت كفاءتها واستحقت موقعها بجدارة، هذا التحول الإيجابي لا يمثل مجرد تقدم في وضع المرأة، بل هو انعكاس لنضج المجتمعات وتطورها.
لكن، ما إن نصل إلى ملف الزواج حتى تتبدل المعايير فجأة، وتعاد صياغة الأدوار، وتلقى المسؤوليات المالية كلها على كاهل الرجل، وكأننا لم نكن نطالب قبل قليل بالمساواة والتوازن، لا أدري لماذا تتوقف المساواة عند عتبة الزواج؟ ولماذا تصبح الشراكة شعاراً في العمل لكنها تغيب في الحياة الزوجية؟
في أغلب الزيجات، يتحمل الرجل كافة التكاليف، المهر، الحفل، المسكن، الأثاث، ومصاريف ما بعد الزواج، وتقبل الزوجة على الحياة الجديدة دون مساهمة تذكر في هذا المشروع المستقبلي. هذا النموذج ما زال شائعاً في مجتمعاتنا، لكنه لا يواكب التغيرات التي طرأت على أدوار النساء، ففي ظل عمل المرأة، أصبح من الطبيعي أن تسهم أيضاً في تأسيس حياتها الزوجية، بل نجد في مجتمعات كثيرة حول العالم، أن الزوجين يتقاسمان التكاليف والمسؤوليات منذ البداية، ويعتبران ذلك جزءاً لا يتجزأ من الشراكة.
صحيح أن البعض سيقول نحن مجتمعنا يختلف، ومنذ زمن والرجل يتحمل كل شيء، لكن أقول لهم إن الزمن تغير، والواقع تغير، اليوم المرأة تعمل مثل الرجل، وتغيب عن المنزل لساعات، وتتقاسم أعباء الحياة، لكنها في المقابل تقول راتبي لي، وفي أدنى مشكلة تلوّح بالطلاق، وتلجأ إلى المحاكم، «طبعاً البعض».
لكن دعونا نفكر قليلاً، لو أن الزوجة شاركت زوجها في تكاليف الزواج، والسكن، وبناء الحياة المشتركة منذ البداية، لكانت العلاقة أكثر توازناً واستقراراً، فالشراكة تخلق شعوراً بالمسؤولية المتبادلة، وتجعل كل طرف حريصاً على إنجاح هذه العلاقة، لأنه شارك في بنائها، وعندها، لن تذكر كلمة الطلاق بسهولة عند كل خلاف، ولن تكون التهديد الأول عند كل مشكلة، بل سيكون هناك وعي أعمق وتفاهم أكبر، لأن كلا الزوجين أصبح شريكاً فعلياً، مادياً ومعنوياً، في هذه العلاقة.
نحن لسنا بصدد إلغاء دور الرجل أو التقليل من مكانته، بل ندعو إلى أن تفهم المساواة فهماً أكثر نضجاً، ومشاركة الزوجة في المسؤوليات لا تنتقص أيضاً من مكانتها، بل تعكس وعياً ونضجاً وشراكة حقيقية.
فهل من المنطقي أن تطلب المساواة حين تمنح، وترفض حين تلزم بعطاء أو مسؤولية؟
ربما آن الأوان لنفكر في هذا الموضوع.

[email protected]