تشهد فرنسا أزمة داخلية وخارجية عميقة، عناوينها متعددة، أهمها استعداد حكومة فرانسوا بايرو للرحيل والتحشيد الذي تدعو إليه القوى السياسية الفرنسية بقيادة جان لوك ميلانشون، فضلاً عن الأزمات الخارجية الخطيرة مع كل من الجزائر وإيطاليا والولايات المتحدة، فماذا يحدث في الإليزيه؟
مع اقتراب نهاية فصل العطل الصيفية، تستعد فرنسا لخريف الغضب بعد إقرار احتجاجات وإضرابات واسعة النطاق قد تعم جُلّ القطاعات الحيوية في البلاد، وذلك في أعقاب إعلان رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو، خلال شهر يوليو/ تموز الماضي، عن تدابير تقشفية صارمة ضمن مشروع الموازنة، من بينها إلغاء يومين من الإجازات العامة. فمن سائقي سيارات الأجرة، مروراً بموظفي الشركة الوطنية للسكك الحديدية، وصولاً إلى الصيادلة وقطاعات أخرى من المجتمع الفرنسي، يبدو أن قرارات الحكومة فجرت موجة غضب واسعة، تنبئ ببداية عام دراسي حافل بالاحتجاجات. إذ انطلقت عبر وسائل التواصل الاجتماعي حملة شعبية واسعة تحت شعار «لنغلق كل شيء»، تدعو إلى شلل كامل في البلاد يوم 10 سبتمبر/ أيلول المقبل.
ومن بين الأشكال المقترحة للمشاركة في الإضراب العام، مقاطعة الدفع بالبطاقات البنكية كخطوة رمزية ضد السياسات الاقتصادية المتبعة، كما تبين أن الاحتجاجات لن تقتصر على البالغين أو العمال فقط، فقد أعلن الاتحاد النقابي لتلاميذ المدارس الثانوية انخراطه في الحراك، داعياً إلى إغلاق المدارس الثانوية بدءاً من 10 سبتمبر، اعتراضاً على «سياسات التقشف التي تدمر التعليم»، وفق تعبيره. كما أشار الاتحاد إلى أن هذه التعبئة ستكون مفتوحة من حيث المدة.
ولأنّ الوضع الداخلي بلغ درجة من التعقيد، لم تجد الحكومة إلّا تقديم استقالة مقنّعة إلى البرلمان، بعد أن أحال فرانسوا بايرو مصير حكومته إلى البرلمان وطلب عقد جلسة للتصويت على تجديد الثقة أو سحبها في الثامن من سبتمبر/ أيلول أي قبل 48 ساعة فقط من بدء الاحتجاجات الكبرى في فرنسا. ويبدو أنّ المصير بات واضحاً، فزعماء المعارضة الفرنسية وحتى حلفاء الرئيس ماكرون، قالوا إنهم لا يرون سبباً لدعم بايرو وحكومته، وهذا يعني وقوع حجب الثقة عن الحكومة، وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول مصير الموازنة العامة للعام الجديد، ومصير الرئيس الفرنسي نفسه الذي خسر الانتخابات البرلمانية الماضية وفرض حكومة يمينية رغم انتصار اليسار.
ويرى خبراء سياسيون فرنسيون أن جان لوك ميلانشون، زعيم حركة «فرنسا الأبيّة»، يسعى من خلال دعمه لحراك «فلنُعطِّل كل شيء» المقرر في 10 سبتمبر إلى استعادة موقعه كصوت الغضب الشعبي، بعد تراجع حضوره في المشهد نتيجة انقسامات اليسار وانشغاله الطويل بالقضايا الدولية.
وقال الدكتور دومينيك رينيه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة العلوم السياسية بباريس إن الخطاب الجدلي الذي يعتمده ميلانشون يهدف إلى إبراز نفسه «محركاً للغضب الشعبي»، لكنه صيغ بطريقة منمّقة تتحدث عن مصلحة الحركة أكثر مما تخدم الأصوات الشعبية الحقيقية. ويعتبر ميلانشون المعارض الأبرز لماكرون، أما في جانب حلفاء الرئيس الفرنسي فقد قال حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف وحزب الخضر والاشتراكيون، الذين يعتمد مصير بايرو على تصويتهم إلى حد كبير، إنهم لا يرون سبباً لدعمه. وهكذا فإنّ خريف الغضب سيطرد حكومة بايرو حتى قبل أن يبدأ.
لم يستطع الرئيس الفرنسي أن يثبت نفسه في القضايا الدولية، وخاصة في حرب الإبادة على غزة، فلقد كان من الأوائل الذين هرعوا إلى تل أبيب وأعلن وقوفه إلى جانب إسرائيل في حربها العدوانية، وفعلاً فقد انخرط في الدفاع عن إسرائيل ومنع حتى حق التظاهر في فرنسا مساندة لفلسطين، وبالرغم من أنه سعى في الفترة الأخيرة إلى تصحيح سياسته بقرار الاعتراف بدولة فلسطين، إلّا أنّ ماكرون قد فقد شعبيته في شرائح واسعة من المجتمعات العربية والإسلامية. ولقد كانت مواقفه في الحرب الأوكرانية لافتة أيضاً بما أنه من أكبر الداعمين لاستمرار الحرب وتمويلها رغم أن فرنسا هي من أكثر الدول التي تضررت من قطع الغاز الروسي، وتحملها كلفة كبيرة لتوريد الطاقة والمنتجات ذات الصلة.
ومما زاد في تأزم علاقات فرنسا الخارجية، العلاقات المتوترة جداً بين فرنسا والجزائر، وبين فرنسا وإيطاليا وأخيراً مع الولايات المتحدة وقد اقتضت هذه الأزمات الثلاث استدعاء السفراء. والأمر لا يقف عند حدود المستوى السياسي فهناك علاقات اقتصادية تتأثر عميقاً وترتد سلبياً على الاقتصاد الفرنسي الذي يعاني أصلاً من تراكم الديون الثقيلة، حتى إن الدين العام الفرنسي تجاوز سقف 3 تريليونات دولار، ولن تستطيع فرنسا مغادرة مربّع هذه الأزمات المركّبة بسياسات الرئيس ماكرون الحالية، ويبدو أن فرنسا تحتاج إلى تغيير جذري يواكب التحولات الجيوسياسية في كل أنحاء العالم. ذلك أنّ حالة التّرهّل الفرنسية، لن تضمن استمرار فرنسا كقوة أوروبية أو دولية فاعلة في العالم والفرنسيون الذين يعتزون بتاريخ دولتهم العريق لا يقبلون استمرار هذا التراجع، فهل يتحول خريف الغضب إلى ربيع فرنسي؟

[email protected]