لم تكتفِ إسرائيل بما سفكته من دماء عشرات آلاف الفلسطينيين، وما انتهكته من حرمات ومواثيق في قطاع غزة على مدار 22 شهراً، لتصعد مجدداً حرب الإبادة بإعلانها عن مرحلة جديدة لاحتلال مدينة غزة وتهجير سكانها، غير عابئة بالنداءات الدولية المتوالية لإنهاء هذه الحرب وإنقاذ المدنيين المحاصرين بين براثن القصف والمجاعة.
في كل ساعة تقتل آلة الحرب الإسرائيلية وتصيب نحو 20 فلسطينياً، أما حصيلة ضحايا المجاعة ففي ارتفاع يوماً بعد يوم، والأوضاع الإنسانية والصحية في تدهور مستمر دون أي تغيير. ومع ذلك لا تريد إسرائيل أن توقف هذه المجزرة، وتصر على توسيع القتال مراهنة على أن هذا النهج سيمكنها من استعادة من بقي من الرهائن أحياء، وسيحقق لها النصر الذي لا تعرف معاييره على وجه التحديد. أما الحقيقة الثابتة فتؤكد أن هناك مذبحة تجري بأبشع وسائل القتل والتنكيل، خصوصاً في محيط مدينة غزة. ومع بدء أولى العمليات واصطدامها بمواجهات عنيفة وكمائن، انسحب جيش الاحتلال «تكتيكياً» من حي الزيتون، وأعلن مسؤول في حكومة بنيامين نتنياهو، أنه تجنباً لوقوع خسائر بين الجنود، فإن هناك خطة تقضي بفرض حصار قاتل على مدينة غزة، يمنع دخول الماء والغذاء وشل المستشفيات، بالتوازي مع توجه لوقف إدخال المساعدات إلى شمال قطاع غزة، مقابل إنشاء «مراكز إغاثية» في جنوبه لإتمام خطة تهجير نحو مليون فلسطيني من سكان مدينة غزة.
وهناك توقعات بأن هؤلاء المدنيين سيواجهون خطر الموت، مع تصميم غالبيتهم العظمى على البقاء في مدينتهم حتى ولو تحولت إلى أكوام أنقاض، ففي نحو أسبوع لم يغادر المدينة المهددة إلا نحو 27 ألف شخص، أما بقية السكان فترفض التهجير، لقناعة بأن النزوح هذه المرة يخدم الخطة الإسرائيلية الخبيثة لفرض التهجير الذي لن تكون منه عودة، وأن الموت قصفاً أو جوعاً سيلاحقهم أينما كانوا في القطاع.
وأمام هذا الوضع المعقد، حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن إخلاء مدينة غزة من سكانها «بطريقة آمنة» أمر مستحيل، وأكدت أن أي عملية من هذا النوع ستقود إلى نزوح جماعي كارثي لا يمكن لأي منطقة في القطاع استيعابه. أما وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فلم تفقد الأمل بعد، وترى أنه «حان وقت العمل والشجاعة والإرادة السياسية لإنهاء هذا الجحيم على الأرض في غزة»، لكن الموقف الدولي لم يرق إلى حجم التحدي.
وبينما تحافظ الولايات المتحدة على انحيازها المطلق لإسرائيل ولا تستجيب لنداءات التدخل الإيجابي وإنهاء الكارثة، يضرب الانقسام التكتل الأوروبي بين من يطالب بممارسة ضغوط اقتصادية قوية على تل أبيب، ومن يفتقد الحماسة إلى هذا التوجه ويرفض مجرد التفكير في فرض عقوبات أو مراجعة اتفاق الشراكة مع إسرائيل.
أوضاع غزة تزداد كارثية وتعيش محنة لم يعرفها التاريخ الحديث، وستبقى وصمة عار للأجيال المقبلة، إذا لم تتحرك الإرادة الدولية بالسرعة المطلوبة لوضع نهاية لهذا الفصل المأساوي الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، على السواء، قتلاً وتجويعاً في القطاع، وقضماً واستيطاناً في الضفة الغربية المحتلة.
غزة تواجه الحصار القاتل
31 أغسطس 2025 00:13 صباحًا
|
آخر تحديث:
31 أغسطس 00:13 2025
شارك