د. باسمة يونس
بعد أن وصلنا لزمن تقاس فيه الشهرة بالإعجاب وتمنح الألقاب كما توزع الابتسامات ويصبح أحدهم كاتباً معروفاً في غمضة عين، أصبح من الضروري أن نتوقف قليلاً ونسأل: متى يحق لنا أن نطلق على أحدهم لقب «أديب»؟ وهل يكفي أن يكتب المرء نصين عاطفيين على وسائل التواصل، أو أن يطبع كتباً لا تسمن ولا تغني من جوع لكي يُمنح هذا اللقب؟.
إن لقب «الأديب» ليس زينة لفظية، فلا شهرة الكاتب دليل على جدارته ولا صمت الناس يعني فشله بل هو وصف ناتج عن تجربة ومعاناة مع اللغة والتزام برسالة الكلمة وشهادة ينالها بعد صبر ومِراس والأديب هو من يتقن أدوات الكتابة ويطوّع اللغة لتكون وسيلة لا غاية ويكتب لأن في صدره قلقاً وفي روحه أسئلة، لا لأن السوق فيه شواغر لكتاب جدد.
الأسوأ من ذلك، غياب الموهبة مع الغرور المبكر حين يفرط الوسط الثقافي في تمجيد كاتب جديد أو نص دون المستوى بغرض المجاملة فما سيفعله الوهم هو حرمانه من السعي والاجتهاد للتعلم والتفكير والابتكار وظلمه لأنه لن يتقبل النصيحة ولا النقد وسيحرم نفسه من مسيرة التطور التي لا بد منها، كما حرم مَن أخرج اليرقة مَن قشرتها مِن قواها التي تكتسبها من محاولاتها الخروج من هذه القشرة الصلبة.
وسيفسد عليه لقب «الأديب» المستعجل الكتابة ذاتها، لأن هدفه يصبح الحفاظ على الصورة النرجسية لا تطوير المهارة ويفقد احترام الكبار والصادقين، لأنهم يدركون أن التفخيم سابق لأوانه، فيتحول إلى منتج سطحي، يعيد المعاني نفسها بالطريقة نفسها لإرضاء الجمهور، لا لإرضاء ضميره الأدبي والثقافة الحقيقة.
وقد يؤدي ذلك إلى تلاشي الشغف، لأن الانبهار اللحظي لا يمنح الكاتب جذوراً، بل يضعه على مسرح هزيل لا يدوم، فيجب ألا يصدق الكاتب الجديد أنه قد وصل بل أن يدرك دائماً أن الطريق طويل ومرهق لكنه جميل وأن في كل قراءة ونقد وتحليل فتحاً جديداً وبوابة ستشرع له الطريق للوصول في وقته المناسب.
إن «الأديب» ليس من يمتلك قلما فحسب، بل من تمتد أفكاره إلى الناس وتتشكل كلمته في عمق التجربة ويصبح نصه مرآة لحياته لا زينتها والكتابة شرف وليست مهنة أو وسيلة للشهرة، بل حياة تكتب ورسالة لها غرض أعمق من الجلوس على قمة والتمتع بمجاملات وإشادات الآخرين.
وقد عبّر الأديب الفرنسي ألبير كامو عن هذه المعضلة بقوله: «النجاح سهل، لكن البقاء ناجحاً دون أن تفقد نفسك، هذا هو التحدي».
إن التفخيم المبكر يغري الكاتب ليسعى خلف تزيين صورته بدل أن ينقح فكرته فيكتب ليحظى بالإعجاب وليس لاكتشاف قدراته والابتكار وسبر أغوار الحياة.