الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

تراجيديا جديدة

4 مايو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 4 مايو 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ألا يبدو غريباً وغامضاً ذلك التوجه المسرحي الكبير في عصرنا الراهن نحو العروض التراجيدية؟ ألم تتوارَ شمس هذه «التراجيديا»، كما أعلن من قبل فلاسفة ونقاد على رأسهم جورج شتاينر في مؤلفه الشهير «موت التراجيديا»؟ الذي يرى فيه أن هذا الشكل الفني والأدبي قد انتهى في العصر الحديث، فالتراجيديا الحقيقية تقوم على فكرة المعاناة الإنسانية غير القابلة للإصلاح أو التغيير، وهو ما لم يعد يتماشى مع الروح المعاصرة، خاصة مع صعود الفلسفات التفاؤلية والعقلانية التي تؤمن بإمكانية تحقيق العدالة أو الخلاص في النهاية.
إذاً، ما أشكال وأنواع العروض والأعمال المسرحية التي تُقدَّم على أنها تراجيديا؟ وكيف عاد ذلك اللون الغارق في البؤس إلى واجهة العصر؟ لعل الإجابة عن هذا السؤال تمنحنا فكرة حول كيفية تمثّل المسرح والسينما وغيرهما من الفنون لموضوع التراجيديا، والتعبير عنه بشكل خلاق ومبتكر للتصدي لقضايا الواقع المادي المعاصر.
قديماً كان البطل التراجيدي ملكاً أو شخصية أسطورية يمثل سقوطها انهياراً لعالم كامل. أما في العروض الحديثة، فالبطل هو «الإنسان العادي»، ومع أن معاناته مؤثرة، إلا أنها لا تملك تلك الرهبة التي تمثلها التراجيديا القديمة الأصيلة. بالتالي، نحن أمام شكل ونوع تراجيدي جديد هو «مأساة قابلة للحل»، ففي المسرح القديم كان العمى أو الموت هو ذلك القدر الذي يتربص بالبطل، أما اليوم فقد صار بالإمكان إيجاد حلول نابعة من العلوم والفلسفات المتفائلة الجديدة. وبناءً عليه، فإن هذا التوجه «الإصلاحي» قد قتل جوهر التراجيديا القديمة التي تقوم على العذاب الإنساني بلا مخرج أو أفق، فالعصر الحديث، رغم مشاكله الكبيرة، لا يزال يؤمن بالحلول.
ولعل شتاينر نفسه يرى أن التراجيديا الكلاسيكية كانت تتطلب وجود «أساطير» يصطدم بها «البطل النبيل»، إذ كان يُشترط في البطل التراجيدي أن يكون ذا مقام رفيع ليُظهر نبل أصله، ما يجعل سقوطه المأساوي أكثر تأثيراً وقسوة على الجمهور. ومع سيادة العقلانية والعلم، فقدت المعاناة ذلك البعد وأصبحت مجرد ظواهر عادية، وهذا ما عبرت عنه هذه التراجيديا الجديدة «تراجيديا التفاصيل اليومية» في دراما وسينما الواقع، وبشكل أساسي في المسرح الحديث.
في التراجيديا المعاصرة لم يعد «النبل» حكراً على العظماء (مثل أوديب أو هاملت)، فالسينما والمسرح الحديث يقولان إن معاناة عامل بسيط أو لاجئ هي مأساة مكتملة الأركان. كما أن مسرحياً مثل صمويل بيكيت «رائد العبث»، أبدع تراجيديا من «الفراغ» و«الانتظار».

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه