الكتابة فعل تحدٍ للذات والآخر، للقناعات وأفكار الآخرين، للواقع، وما بعد الواقع، والاستشراف، وأخطر الكتابات هي المتّصلة بالسياسة، هذه المتحركة المتجددة الصادقة الكاذبة الثابتة والمناورة، هذه التي تدور في فلك الظاهر باعتباره باطناً، وفي فلك الباطن باعتباره ظاهراً، ومن لا يدرك (اللعبة) ومواقيتها، ولغتها، يقع في حيص بيص، ويتّخذ مواقف سريعة قد يندم عليها، أو يحلّل موقفاً بطريقة انفعالية وتكون النتيجة مضحكة فيردد مع الفنان عادل إمام (إنت صدّقت يا خويا؟!).
والكتابة السياسية هي مساهمة في كتابة التاريخ، فمقال اليوم سيصبح مرجعاً بعد خمسين سنة، لذلك هناك مسؤولية في اختيار المعلومة والموقف وسيناريوهات الأحداث، والشواهد الداعمة. وكل كتابة هي مساهمة في كتابة تاريخ، في كل ميادين الحياة، فلا يصح التكرار أو ذكر المقولة الجاهزة، ولا سرقة المقولات ولا التحليلات، كما أن التاريخ لن يلتفت إلى اللغة الإنشائية، ولا الأساليب التقريرية، بينما يلتفت إلى اللغة الرصينة الصادقة، خاصة إذا كان الموضوع وطنياً. وفي الواقع، كل المحاور الحياتية هي موضوعات وطنية، وتناولها يتطلب ذكاء من نوع خاص، فلا يكرر الكاتب المعلوم والمعروف، إنما يلجأ إلى المنهج الفلسفي في الجدل ومناقشة الفكرة، وكلّما استطاع الكاتب الوقوع على وصف مبتكر كلما دخلت كتاباته التاريخ، وكلما اتّكأ على غيره فيستعير مصطلحات وأوصافاً للمشاهد، كلما استبعده التاريخ.
نحن اليوم سنكون حديث الغد، وحين يكون اليوم هو الحاضر فإن الغد هو التاريخ، فإذا تحدثنا عن التجربة الوحدوية للإمارات العربية المتحدة، يجب أن يكون حديثنا موجهاً للأجيال القادمة، فنقدّم لها التجربة في صورة عمل ثري مصيري تاريخي، من حيث البناء الذي يستهدف الإنسان والجغرافيا والبيئة بشكل عام، ولا بد من وصف دقيق، حتى لملامح القادة، لأننا نخاطب وعيها وخيالها واعتزازها بنفسها، فالصورة ستصبح تاريخاً، ويعلم الله ما هي أزياء وأشكال البشر وسلوكهم بعد سبعين عاما أو أكثر، فكما نحن ننظر إلى صور القادة والبيئة ونكوّن صورة عن الإيمان والإرادة والطموح، فإن الأجيال القادمة ستقرأ ملامحنا أيضاً، ولن تلجأ إلى الصورة فقط، لكنها ستلجأ إلى أدبيات الخطاب السياسي والإعلامي والمجتمعي، وإلى الروايات والقصص، وسيبحثون في الرموز نتيجة شغفهم للتعرف على بناة حاضرهم، الذي هو مستقبلنا.
من هنا، وعلى صلة بما سبق، يجب الاهتمام بالمسمّيات والعناوين والأسماء، أعني أسماء إنجازاتنا، عمرانية وبشرية، أسماء مبادراتنا، أسماء خططنا واستراتيجياتنا، لأنها ستكون محل دراسة وتحليل، فلا بد أن تكون أعيننا على التاريخ، هناك، حيث سيكون أناس مهمتهم النبش والتصوير والاستنتاج.
عين على التاريخ، هذه مهمة كل ذي عقل وذي قلم وذي رؤية، مهمة الجميع، حين يتحولون إلى كائن واحد، يحمل عيناً (باستثناء عينيه الطبيعيتين) على التاريخ، وهذا يعني، وحدة الرؤية، وحدة الرسالة، وحدة الهدف، كل ذلك سينتج حاضراً برسم المستقبل.
كثيرون يتحدثون عن المستقبل بوصفه نتاج الحاضر، وهو كذلك، ولكن، ما أجملنا ونحن نتحدث عن المستقبل بوصفه تاريخاً، أي محطة الحاضر وعيونه، والفرق يكمن في تأسيس الاستدامة، حيث الاستدامة حلقات متصلة من الزمن تشكل في نهاية المطاف تاريخاً. أما الزمن فحكاية أخرى، مهمة جداً، وليس من قبيل الفلسفة ولكن من قبيل ذكر الحقائق، فالماضي والحاضر والمستقبل هو الزمن، ولكن هنالك ما يسمى (زمننا)، أي حاضرنا، وتقول الأدبيات: لنصنع زمننا، وتعني أكثر من حاضرنا، إنها تعني حاضرنا الذي يصلح كي يكون مستقبلاً، أي تاريخاً، وبالتالي تصبح الجملة: لنصنع تاريخنا.
إننا في دولة الإمارات العربية المتحدة (وأقترح حين نذكر اسم دولتنا أن نذكره بالكامل وليس الإمارات فقط)، نصنع زمننا بصفته حاضرنا ومستقبلنا، بصفته تاريخنا، وحين تصبح تجربة التنمية نموذجاً، فإنها تدخل الزمن، إلى جانب التجارب المضيئة في العالم، التي ستشكل فيما بعد بملامح الزمن، وهنا تأخذ الجملة بعداً كونياً، أي يصبح في المدار الكوني. ولهذا السبب أدعو إلى استخدام اسم الدولة كاملاً (دولة الإمارات العربية المتحدة)، لأنها أصبحت النموذج، أي أصبحت جزءًا من الزمن الكوني.
وحين نذكر الدولة، فإننا نذكر في الأصل مؤسسيها من أجيال مختلفة، لأن التأسيس مرحلة متحركة ومتجدّدة، فالمغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه مؤسس، وكل من خلفه (مؤسس) بمعنى من المعاني، ويشمل هذا إمارات الدولة جميعها. فوضع لبِنة فوق اللبنة الرئيسية هو تأسيس، وانطلاقاً من هذا المفهوم أصبحت الدولة النموذج. والمؤسسون كانت عينهم دائماً على التاريخ، على الزمن، على الحركة الكونية.
إن حديثنا يشبه وصية القائد لأبناء شعبه: كونوا سفراء لدولة الإمارات العربية المتحدة، في السلوك، والمعرفة، والأخلاق، وغيرها، وفي هذا تأسيسٌ أيضاً، أن تكون سفيراً لبلادك هو أن تحمل بلادك في عينيك وعلى ظهرك وترسمها أمام عيون العالم، وأنت بذلك ترسمها في عين التاريخ. الكتابة الوطنية أكثر من مسؤولية، هي الأمانة في تجلياتها العاطفية والإنسانية والأخلاقية، كل حرف له وزن وقيمة، وكل كلمة لها معنى وأبعاد، لأننا نكتب التاريخ.

[email protected]