لا تزال قضية «اليوم التالي» لما بعد الحرب على غزة تشغل بال السياسيين لدى كل الأطراف المعنية بإيجاد حل للصراع الدائر على أرض القطاع منذ ما يقارب العامين، من دون أن يتبلور تصور واضح أو رؤية محددة وثابتة لمستقبل هذا القطاع والجهة التي ستتولى مسؤولية إدارة الحكم بعد انتهاء الحرب.
منشأ هذا الغموض يستند إلى عاملين أساسيين، الأول هو الواقع الميداني الذي لم يحسم بعد على الرغم من جبروت القوة المستخدمة وانهيار كل مقومات الحياة جراء الحصار الخانق ومنع إدخال المساعدات والكارثة الإنسانية التي وصلت إلى حد إعلان المجاعة رسمياً من جانب الأمم المتحدة. والثاني هو تضارب الروايات والتصورات التي طرحت، ولا تزال، لما سيكون عليه «اليوم التالي» من دون أن يبصر أي منها النور لأسباب متعددة، ربما لتضارب الأهداف والمصالح بين كل الأطراف المعنية.
فمنذ بداية الحرب، طالبت إدارة بايدن السابقة حكومة نتنياهو بوضع تصور ل «اليوم التالي»، إلا أن هذه الحكومة تلكأت ولم تفصح عن خططها وأهدافها التي انحصرت، في البداية، في استعادة الرهائن والقضاء على الفصائل الفلسطينية، قبل أن يتطور الموقف، تحت ضغط اليمين المتطرف، إلى الاحتلال المباشر وتهجير السكان تمهيداً للضم وعودة الاستيطان. وبقيت ملامح التصور الإسرائيلي تدور حول رفض حكم غزة من قبل «حماس» أو السلطة الفلسطينية، من دون تقديم بديل واضح.
ومع مجيء إدارة ترامب اختلفت الرؤيا قليلاً لكن الأهداف لم تتغير، إذ إن الخطة التي طرحها ترامب تعاملت مع القطاع من منظور صفقة عقارية، تقوم على تهجير الفلسطينيين، وإقامة ريفيرا شرق أوسطية في غزة تحت إدارة الولايات المتحدة، إلا أن هذه الخطة ووجهت برفض عربي قاطع من دول الجوار والإقليم عموماً.
عودة الحديث اليوم عن اجتماعات في واشنطن لبحث «اليوم التالي»، وفي ظل توقف مفاوضات الهدنة وصفقة تبادل الأسرى، باتت تثير الكثير من الأسئلة والشكوك، حول ما إذا كانت إدارة ترامب جادة في إيجاد حل للصراع وإنهاء الحرب، خصوصاً أن مشاركة صهر الرئيس ترامب ومستشاره السابق جاريد كوشنير ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في هذه الاجتماعات، تضفي مزيداً من الغموض حول النوايا الأمريكية والإسرائيلية. إذ من المعروف أن كوشنير يتفق تماماً مع ترامب حول نظرته العقارية، فيما تشير التقارير إلى أن صلات بلير واتصالاته لم تنقطع مع بعض قادة المنطقة، في إطار البحث عن تسوية ما غير بعيدة عن رؤية واشنطن.
لكن بالمحصلة، يبدو أن التحركات المرئية وغير المرئية الجارية منذ شهور، وفق المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، لم تصل بعد إلى بلورة رؤية واضحة ومحددة لكيفية إدارة غزة، على الرغم من أن الثابت الوحيد هو أن «حماس» لن تعود إلى حكم القطاع، بينما يظل «اليوم التالي» رهن الحسم في الميدان، وقد يتحول إلى كابوس مهما تضاربت الروايات وتعددت.

[email protected]