هل تراجع الشغف بالقراءة المتأملة المتعمقة والمفسرة والمفككة والمؤولة؟، وهل امتد أثر عصر السرعة والتكنولوجيا الحديثة نحو عالم الاطلاع والمعرفة، وبعد أن كانت القراءة مثل قهوة «محمود درويش»، لا تشرب على عجل، هل صارت الملخصات والمؤلفات القصيرة هي سيدة الموقف؟، حيث يبدو أن هناك توجهاً نحو ذلك النوع من القراءة السريعة والمختصرة، فهل انتهى عصر القارئ الذكي الذي يلتهم الكتب والمؤلفات والذي هو بمنزلة مبدع آخر لا يقل شأناً عن المؤلف؟.
القراءة هي العتبة الأولى نحو فهم العالم، وعندما يقبل المرء على فعل الاطلاع فهو يمارس جملة من العمليات الذهنية من التقاط وتحليل للنص والبحث عن ما وراء الكلمات والجمل حتى صارت كلمة «قراءة» مرادفة لمفردة «تفسير»، بالتالي فإن القراءة هي فعل اكتشاف مستمر، وذلك الأمر يتطلب بالفعل قارئاً ذكياً يأخذ وقته في عملية الاطلاع من دون تعجل لأن الغوص في معاني الأشياء يتطلب ذلك التمهل، ولأن عملية التغيير نفسها التي يحدثها الإنسان في المجتمع والعالم ككل هي رهينة بالقراءة المكتشفة والمنقبة، فعليها أن تأخذ نصيبها من البطء في مختبرها المقدس، ولعل ذلك ما أشار إليه الكثير من الكتاب والأدباء والمهتمون بالاطلاع في سياق تعريفهم للقراءة وأثرها، فعلى سبيل المثال نجد أن الأديب كافكا قد اصطحب خبرته في تقديم تعريف جامع عندما أشار إلى أن القراءة هي «الفأس التي تكسر البحر المتجمد في دواخلنا»، ولئن كان فعل الاطلاع ينجز اكتشاف الأشياء فإن مقولة كافكا تعيدنا إلى فعل يسبق ذلك وهو اكتشاف وتحرير الذات.
حضور خاص
وتعزيزاً لفكرة الانحياز للقارئ الذكي، فإن الكثير من الأدباء حول العالم يفضلون بالفعل القراءة التي تتطلب وقتاً أطول والتي تجعل القارئ في كل مرة يخرج بأفكار جديدة والتي تحول العلاقة بين المؤلف والمتلقي إلى علاقة بين مبدعين اثنين وفيها قدر من الندية، وذلك ما ذهب إليه مباشرة الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف، والذي قال: «نحن نحتاج وقتاً عندما نقرأ أي كتاب لنتآلف معه... عندما نقرأ للمرة الثانية، الثالثة، الرابعة، فإننا بشكل ما نتعامل مع الكتاب كما لو كان لوحة»، أي أن نابوكوف يحرض القارئ على إعادة قراءة الكتاب أكثر من مرة واحدة، وذلك ما ذهبت إليه الكاتبة فرجينيا وولف، التي رفضت فكرة الوصاية على القراءة، وشددت على ضرورة أن يكون للمتلقي حضوره الخاص في مشهد الاطلاع، وأن يعمل على التروي في عملية القراءة، حيث إن الاطلاع الأول هو نصف عملية قراءة، وفي هذا السياق ترفض وولف أن يخضع القارئ لقناعات الآخرين في تقييمهم للكتاب المعين، فلا بد من مساحة وحرية يتجول فيها القارئ ويخرج منها باستنتاجاته وأفكاره وتفسيراته الخاصة.
فئتان
إن أهمية القراءة المتعمقة الذكية جعلت بعضاً من الأدباء ينحازون إلى فكرة وصفهم بالقراء وليس بالكتاب مثلما فعل البيرتو مانغويل الذي قال: «هناك شيء ما بداخلي يحرض على التصحيح حينما أسمع أحدهم يناديني بالكاتب، وأقول إني قارئ، قارئ استطاع الكتابة»، ولعل من أهم المقولات التي تربط بين القراءة والإنسان كفعل حتمي ومتلازم، تلك التي أطلقها مانغويل نفسه عندما وصف الإنسان بالحيوان القارئ، وهو هنا يوسع من مفهوم الاطلاع، فالبشر يتوقون إلى قراءة القصص والوجوه والمناظر وكل شيء من حولهم، بالتالي فإن جمهور القراء هم طبقات يقف على رأسها مجموعة القراء الأذكياء وتلك مكانة يرتقي إليها القارئ الصبور، وتلك تصنيفات أقرها عدد من المشتغلين في الحقل الأدبي ومنهم هيرمان هيسه الذي قسم القراء إلى أنواع أهمهم الذي وصفه ب«المشاغب»، الذي يتجه نحو عملية الاطلاع بحرية كاملة ويفعل عكس ما يطلب منه، أي لا يخضع لمقاييس ومعايير، أما الأسوأ بحسب هيسه فهو القارئ الساذج الذي يستهلك المؤلف كما يستهلك الطعام، ويأخذ فكرة الكتاب بلا جدال، وحتى أولئك القراء الذين نالوا قسطاً من التعليم، خصوصاً قراء الأدب الجمالي، نجد فيهم من ينتمي إلى فئة السذج.
وجبة خفيفة
تدمر القراءة الساذجة التي أشار إليها هسه عملية الاطلاع نفسها بحيث تجردها من الأنشطة الذهنية التي تحدث أثناء القراءة، وبذلك يتغير مفهوم القراءة نفسها ويتبدل وذلك ما يحدث في الوقت الراهن وهو أمر تحرض عليه العديد من الممارسات التي يتورط فيها الكثير من الجهات والمؤسسات تماهياً مع روح العصر، حيث باتت تنتشر منصات متخصصة في عملية تلخيص الكتب والمؤلفات، والتي تجتزئ فكرة ومضمون الكتاب وتقدمه للقارئ كوجبة خفيفة خالية من دسم المعنى الذي لا يناله المتلقي إلا بعد عملية معقدة من التركيز والفهم، ويتم ذلك الأمر من قبل تلك المنصات وصفحات موقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات بحجة تسهيل القراءة وتبسيطها وهنا تكمن الكارثة، فالاطلاع ليس بحاجة إلى التبسيط والتكثيف بل هو بحاحة إلى ما هو عكس ذلك من تأمل وعمق، أو كما يرى الكثير من النقاد والكتاب فاستخلاص فائدة من أي كتاب هو فن قائم بذاته، يوازي في عظمته فن الكتابة نفسها عندما يتعلمه الإنسان.
يشير العديد من النقاد إلى أن روح العصر تفرض نفسها بقوة في جميع المجالات بما في ذلك الثقافة نفسها، حيث باتت الأمركة وثقافة «التيك أوي»، منتشرة حتى في حقل الأدب والمعرفة، ومن سمات هذه الثقافة الاختصار والتكثيف، وبات الجميع، بحكم التعود والخضوع للهيمنة، غير قادر على قراءة نصوص طويلة، بل إن العديد من التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي التي يمارس فيها فعل الكتابة تفرض على الناشطين فيها أن يكتبوا بعدد كلمات محددة ولا يمكن تجاوزها، مثل ما يفعل موقع «إكس»، أو «تويتر»، سابقاً، حيث إن عدد الكلمات المسموح به هو 280، كلمة فقط، أما إذا أردت أن تزيد على ذلك العدد، فعليك الاشتراك في خدمة «x بلو»، مدفوعة الثمن، وذلك ينتمي تماماً لثقافة الاستهلاك ويتماشى معها، وهناك عدد من المواقع الأخرى تستخدم كذلك عدداً معيناً من الكلمات والأحرف، باعتبار أن كل تلك المواقع صممت من أجل أن تكون منسجمة مع روح العصر وثقافة السوق.
شعبية مصنوعة
تدخل دور النشر كمتورط في عملية التبسيط وحالة الاستسهال تلك، فبغرض التربح نجد أن العديد من تلك المؤسسات يعمل على طباعة مؤلفات رديئة في محتواها أو كتب عادية، ويشجع على كتابة النصوص القصيرة، وتحتج دور النشر في هذا السياق بأن المؤلفات المختصرة أكثر فائدة، حيث إن القارئ يصل للمضمون بشكل سريع، كما أن الكتب المكثفة والمختزلة تجد شعبية كبيرة، وذلك الأمر يبدو غير صحيح، إذ إن تلك الشعبية التي يشيرون إليها تبدو مصنوعة من تلك الدور نفسها، بحيث يعتاد القارئ على نمط كتابة معينة لا تعتمد على الإسهاب وذلك أمر شديد الخطورة، لأن الوصول إلى المعنى والمضمون لا يتم عبر اختصارات المسافات بل بخوضها، فالفائدة المرجوة في الكتب والمؤلفات لا تتضمن المعنى فقط بل القراءة نفسها كفعل ذهني شديد الأهمية.
والواضح أن الكثير من دور النشر، إلا في بعض الحالات، يسعى وراء الكسب السريع والكبير، لذلك هي لا تقيم وزناً للقارئ، ولا حتى الكاتب، فتعتمد على المؤلفات التي لا تفيد المتلقي والتي تكتسب إثارتها وشعبيتها من عناوينها الصارخة ومضامينها السيئة أو العادية في حين أن دور تلك المؤسسات كونها معنية بالثقافة هي أن ترتقي بالذائقة وأن تكون بمنزلة حارس بوابة يحول دون مرور الرديء، ويحضرنا هنا ما ذهب إليه الكاتب هنري ميللر الذي عندما ذكر بأن الكتب العادية أكثر تأثيراً سلبياً مما تسمى بالسيئة لأن الأشخاص العاديين يستقبلونها من دون وعي ويقرؤونها من دون تدبر لأنها لا تملك التحفيز، وهي بذلك مؤلفات مضرة تصنع متلقياً عادياً، ليغيب عن المشهد رويداً رويداً القارئ الذكي.
في حضرة مواقع التواصل.. وداعاً للقارئ الذكي
2 سبتمبر 2025 00:39 صباحًا
|
آخر تحديث:
2 سبتمبر 00:39 2025
شارك