لا يكاد يمر يوم واحد من دون أن تتردد فيه عبارة حل الدولتين عبر وسائل الإعلام المختلفة، في إطار المساعي التي تبذلها العديد من الأطراف الإقليمية والدولية، لإيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حتى يخال المتابع للقضية الفلسطينية أن حل الدولتين هو ذلك الدواء السحري الذي سينهي شلال الدم الفلسطيني، ويطفئ هذا الصراع الذي تجاوز عمره أكثر من مئة عام، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه بدأ فعلياً، مع بداية المشروع الصهيوني والمؤتمر الصهيوني الأول في بال في سويسرا عام 1897 وبدايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
وكما هو معلوم يرتكز حل الدولتين في مختلف المبادرات والمسارات المتعلقة به إلى إيجاد دولتين فلسطينية وإسرائيلية تعيشان جنباً إلى جنب بحدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967، التي بات ينظر إليها كمحور أساسي في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وبالتالي فإن توقيع منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاق أوسلو عام 1993 يعني الاعتراف «بالخط الأخضر» الفاصل بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وتلك التي احتلت عام 1967 كحدود بين الطرفين، وهو ما وقعت عليه إسرائيل ووافقت عليه لكن وهي تخفي نوايا خبيثة تهدف إلى البدء في المفاوضات من أجل المفاوضات وشراء الوقت، وتنفيذ ما تنوي تنفيذه من مخططات توسعية تحت سقف اتفاق أوسلو، معتمدة على فكرة توسيع الاستيطان الذي يشكل في الواقع أُس المشروع الاحتلالي العنصري الاستيطاني الإسرائيلي.
ولذلك سعى الاحتلال الإسرائيلي إلى فرض الكثير من الحقائق على الأرض منذ اتفاقية أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية قبل أكثر من 30 عاماً، ومن بين ذلك التوسع الاستيطاني الذي بات ينخر أراضي الضفة الغربية المحتلة ويقطع أوصالها بشكل يجعل من فكرة إقامة الدولة الفلسطينية أمراً صعباً إن لم نقل مستحيلاً، حيث تضاعف الاستيطان أربع مرات، ففي حين كان عدد المستوطنات قبل توقيع اتفاق أوسلو 172 يقطنها نحو 250 ألف مستوطن، وصل عدد المستوطنات إلى 444 مستوطنة وبؤرة استيطانية يقطنها قرابة مليون مستوطن في العام 2023، ناهيك عن قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية عند إقامة جدار الفصل العنصري الذي قام الاحتلال بتشييده عام 2002، بطول 700 كم، بحجة حماية الإسرائيليين والذي يعزل 9.4 في المئة من الأراضي الفلسطينية وبينها القدس الشرقية، بحسب الأمم المتحدة، ويؤدي لمصادرة 10 في المئة من أراضي الضفة الغربية.
ورغم محاولات السلطة الفلسطينية التوصل إلى تفاهمات مع الاحتلال لتجميد الاستيطان والوصول إلى حل الدولتين، لكنها فشلت، بل كانت إسرائيل تتمادى أكثر، الأمر الذي وضع شعبية السلطة الفلسطينية على المحك، وأسهم في تعزيز موقف الفصائل الفلسطينية التي تدعو لمواجهة الاحتلال بكل الوسائل، ومن بينها المقاومة المسلحة.
والحقيقة التي يجب ألا تغيب عن أي باحث عن حقيقة المواقف الإسرائيلية المتشددة إزاء فكرة الدولة الفلسطينية، التي يتبناها اليمين المتشدد هي أنه لفهم هذه المواقف لا بد من فهم الفلسفة اليمينية المتطرفة التي تحكم الآن في إسرائيل ونظرتها للأراضي الفلسطينية وفكرة إقامة دولة فلسطينية، فكما هو معلوم وبغض النظر عن الأهداف الاستعمارية الإسرائيلية، وارتباط إسرائيل بالقوى الاستعمارية الغربية، فإن هناك أسباباً اجتماعية وبراغماتية داخلية، كما أنه لا يمكن إنكار سطوة الدين الكبيرة في هذا التوجه المتطرف، فالاحتلال الإسرائيلي لا يرى طريقة لبسط سلطانه على الأراضي الفلسطينية، وغيرها من الأراضي العربية إلا اقتفاء نبوءات «إسرائيل القديمة» التي شكلت فيها «يهودا والسامرة» وهي التسمية التي يطلقها المحتلون على الضفة الغربية أساساً في مشاريع التوسع الإسرائيلية. أضف إلى ذلك الخوف الإسرائيلي الحقيقي من البعد الديمغرافي مع وجود أكثر من 3 ملايين و225 ألف فلسطيني، ناهيك عن أكثر من مليونين آخرين في قطاع غزة.
وبنظرة واقعية، يمكن القول إن فكرة حل الدولتين تبتعد يوماً بعد يوم بسبب التعقيدات الكبيرة للقضية الفلسطينية، وتنصل إسرائيل الكامل منها وهو ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي صراحة أكثر من مرة رغم أنه كان قد أعلن في 2009، تأييده فكرة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، لا بل أعلن وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل ستبني «الدولة اليهودية الإسرائيلية» في الضفة الغربية بعد الإعلان عن إقامة 22 مستوطنة جديدة.
وإزاء ما يجري حالياً من مجازر وإبادة جماعية وحملات تجويع ضد الشعب الفلسطيني في غزة وانفلات اليمين المتطرف الإسرائيلي وقطعان مستوطنيه من عقالهم يبدو الحديث عن حل الدولتين أشبه بوهم، ولاسيما في ظل غياب الإرادة الدولية.

[email protected]