يبدو أن العالم في مفترق يبدو حتمياً في ظل ارتباك وتشظٍ وغياب للقوانين الناظمة للعلاقات الدولية، أو تفسيرها وفق الأهواء والمصالح وتفاهمات بعض القوى، ما يضع معظم أقاليم العالم على ريح القلق، ويبدد، يوماً بعد آخر، ثقتها في نظام عالمي أقرب إلى العدالة.
حتمية تصويب مسار العالم ليست وليدة اليوم، وصيغ البحث عن نظام دولي جديد محل نقاش قديم له ترجمات عملية في بعض التحالفات والمنظمات التي ترمي إلى تحريره من الأحادية، والخروج على نموذج واحد متهم باستمراء الهيمنة واستمرار العمل على تعطيل كل مشروع يراجعها أو يحاول إنهاءها.
في هذا الإطار، يمكن الوقوف عند الرسائل المتجددة الآتية من الصين التي تستضيف عدداً من زعماء العالم، وتلك المتبادلة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية. وسبق للصين وروسيا مرات، في اجتماعات شملتهما وحلفاءهما أو شركاءهما في منظمات مثل «بريكس»، الوقوف عند مسألة الحاجة إلى نظام عالمي جديد، أو نموذج للعلاقات الدولية يراعي المصالح العليا لكل الأطراف بغير هيمنة، ويحقق مصالح الشعوب من دون استضعاف أو تفرقة. ما يلفت في الرسائل الكثيرة هذه المرة قول الرئيس الصيني شي جين بينغ، إن العالم مخيّر الآن بين السلام والحرب، بين الحوار والمواجهة، بين خسارة الجميع وفوزهم.
حين يقال ذلك على خلفية استعراض عسكري ضخم متباهٍ بما تملكه الصين من قوة ونفوذ بين زعماء أكثر من عشرين دولة، بينما تحلق في الأجواء 80 ألف حمامة سلام، فإنما يتجسّد الخيار بين نقيضين ترى بكين أن الولايات المتحدة هي رمز الجانب القاسي منه. وكان ذلك مناسبة أيضاً لتنال واشنطن من تحركات الصين، ولو بلغ ذلك حد وصف لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيريه الروسي فلاديمير بوتين، والكوري كيم جونج أون بالمؤامرة على الولايات المتحدة.
نحن أمام مرحلة جديدة، وربما أخيرة، للمخاض العالمي، فإما حرباً تزيد الأوضاع اشتعالاً، وإما سلاماً بمعناه الحقيقي ينهي الجور الطويل على أراضي شعوب وحقها في عيش آمن، ويوقف تربص الجار بخريطة جاره، ووهمه أن في قتله حياة له. لا يمكن أن يطول العالم على وضعه الحالي، لا اتفاق فيه على معنى للعدل ولا الإنسانية، وإصرار البعض على الاستكبار ومعاندة المسار الطبيعي للتاريخ، والرهان على القوة وحدها سبيلاً للتعامل مع المحيط والعالم، وتمرير الأوهام في لحظات الاضطراب العالمي.
إن القوى الكبرى ستقرر أي مسار يسلكه العالم بعد مخاضه، لكنها يجب ألّا تنفرد بذلك، وعلى الأقاليم المستثناة أو المغيبة أن ترفع صوتها وتكون أكثر إصراراً على المشاركة. وباعتبار العرب جزءاً من إقليم ملتهب على الدوام، وفيه ما يكفي من دلائل على نقائص النظام العالمي، فإنهم مطالبون برؤية جماعية تسهم في إصلاحه، وتستفيد من نجاح دول عربية، في مقدمتها الإمارات، في صياغة نموذج للعلاقات المتوازنة مع كل الأطراف المحققة لخير كل الشعوب.
المخاض العالمي.. حرب أم سلام؟
5 سبتمبر 2025 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 سبتمبر 00:04 2025
شارك