د. نسيم الخوري

أقسم العماد جوزيف عون على عهده الرئاسي بنبرة واثقة جدّاً، واعداً بطي تاريخٍ ثقيلٍ وبطيءٍ من الخسائر والتبعثر والانتظارات تعطّشاً للنطق بملامح الجمهورية اللبنانية الجديدة القوية، راح اللبنانيون وقد أنهكتهم الأزمات المالية والقبض على مدخراتهم سواء كانوا في لبنان أو خارجه في أنحاء العالم الذين لم يغب لبنان لحظةً عن أحلامهم، الأمر الذي عمل على توثيق وصل لبنان بالعرب على قربهم وخصوصاً عواصم الخليج وباريس إلى لندن وواشنطن وصولاً إلى قلب البيت الأبيض وحتى المكتب البيضاوي يعجّ باللبنانيين يترقبون الجديد همساً بين الصهرين.
هكذا برزت ظاهرة تلاقي اللبنانيين في عصر الذكاء الاصطناعي ويتبادلون الأحلام والأفكار والأسرار ويتناقشون ويتعاضدون عبر فضاءات الكلام والإعلام الكثيف ولو أنّ مراسلاً لشاشة ال(إم تي في) يتابعونه من أمام البيت الأبيض بانتظار ردود الأفعال على التنقيحات الثلاثية والرباعية المتراكمة على تلك الورقة المطوية التي تطير بملامحها الاستراتيجية نحو الإضافات والتبديل والتغيير والتهديد والحروب.
بعيداً من مستقبل الورقة اللبنانية الطائرة بين عاصمة وأخرى وبعيداً عمّا وصل أو سيصل إليه اللبنانيون عبر الورقة الحافلة بالخطوط والمتغيرات العربية والدولية، جمعتنا سهرة ممتعة مع شباب مهاجرين واعين في الخليج، تحلّقنا حولهم وكان لي ما قمت بتسجيله أنشره حرفياً لشاب يُدعي إيليا بشارة حنا «كان لبنانكم يعيش في النعيم وهو ينتظر الورقة الطائرة بين الدول والمبعوثين وكأنّ لا خيطان أو دول تضبطها في سماء بين لبنان وإيران، اسمعوا الإمارات العربية المتحدة في النعيم المطلق، استثمرت عبر الموارد الطبيعية التي تمتلكها بدقة إذ صُنفت (أسمعوني جيّداً) في الدرجة 5 من حيث امتلاكها للمؤشرات عبر احتياطي النفط والغاز والذهب الذي أُضيف للناتج الوطني الإماراتي متجاوزاً العديد من الدول المتطورة، لماذا؟ بكلمتين: لحسن إدارة هذه الموارد، أنتم مجموعة من الأساتذة الجامعيين، تعرفون جيّداً أن نجاح الإمارات ودول العالم جرى ويجري وسيجري اليوم في العالم مع كلّ لحظة ومع كل فكرة ودراسة ومتابعة بالتوازي مع قدرات المهندسين وكبار الجامعيين الذين فتُحت لهم أبواب الخليج بحثاً عن الإسهام في استخدام خلاصات الحضارة العالمية وتثبيتها، يسجل النسيج الاجتماعي في الإمارات خطوات متقدمة عن دول كثيرة من حيث التفاعل الاجتماعي والعلمي والحضاري مما أدى إلى إنجازات علمية لم تشهدها أي دولة أخرى تتمتع بتاريخ عريق في البحث العلمي، تعرفون كيف وصل الطموح بدولة الإمارات لتكون سبَّاقة في قرع عالم إمارتي أبواب الفضاء، المهم أن تحكم وتدير مؤسسات وأشخاصاً من جميع بلدان العالم بصرف النظر عن جنسياتهم بل بفضل حسن إدارتهم لموارد الدولة الطبيعية والبشرية»
صحيح أنّ الازدهار يتطلب حكمة وحزماً وعلماً ودراية متطورة في إدارة الموارد المتوفرة كما هو الحال في دولة الإمارات وغيرها من الدول الناهضة، لكننا نحن غارقون نادبون في لبنان المتشظّي، لا نستطيع إدارة مؤسسة واحدة بسبب الخلافات المُزمنة بين مرجعيات لمذاهب وطوائف وأحزاب لا يمكن تعدادها تتحكم بكل شيء لصالح العائلات والحكام الذين لم ولن يتّفقوا على مضامين ورقة بينما الشعب ينتظر فلا يقتات حتى الفتات.
استيقظت في فراشي لملامح النهضة ودفعني خلاصة النقاش نحو عام 2007 عندما طلب عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربيّة من الدول العربية تعديل ميثاق الجامعة وتقديم ورقة استراتيجية بهدف إنشاء مجلس للأمن القومي العربي.
وفي الرابع والعشرين من يوليو/ تموز 2007 كنت مع العميد الركن المتقاعد نزار عبد القادر في عداد لجنة عسكرية عليا تمثّل لبنان على عهد الرئيس ميشال سليمان، تشكّلت رسمياً من قادة في الجيش اللبناني برئاسة رئيس كليّة القيادة والأركان العميد الركن علي سليمان وضعنا «الورقة الاسترشادية حول الأمن القومي العربي» وأخذت طريقها إلى الجامعة عبر مجلس الوزراء اللبناني، يومها طرحت سؤالاً يُستعاد اليوم، لماذا الأمن القومي العربي بعد 62 سنة من تأسيس الجامعة في حينه أو بعد 80 سنة اليوم؟
سقطت معاهدة «الدفاع المشترك» في الإسكندرية 1950 ومثلها ميثاق التضامن العربي في الدار البيضاء عام 1965 وسقطت الأوراق الاسترشادية بعد حرب تموز/ يوليو 2006 وأمامنا ورقة 2025 الأمريكية، أمامنا انطلقت كما ناطحات الحروب لا السحاب بعدما تجعّدت بالتنقيحات.
أهكذا نبقى نحن إذن منذ نكبة فلسطين؟
بات الأمن اللبناني محلياً لكنه برعاية دولية جدية طال زمن تنقيحها ولو جاءت أو كانت ورقة فستأخذ سطورها النهائية في وقف الحروب والحمايات المستوردة والتطرّف الديني وفقاً للتسميات، كلّها مظاهر ما عادت ترضي العصر والأجيال تغذّيها فتاوى يصبّ معظمها في الفكر التكفيري والشمولي بهدف قلب الأنظمة وتكفير الحاكم وتعثير التنمية والتطور وتحديث المجتمعات وسلام الشعوب، فالمتطرّف بات عدوانياً يؤمن بالتخريب ومجابهة المجتمع ومؤسساته، أو ينكفئ على نفسه ويبقى عالة ناقمة على المجتمع.
nassim.khoury.com