هل يُعقل ألّا يكون لك رأي في عجائب التحوّلات على الساحة الدولية؟ ربّ ضرّاء سرّاء، فمِن نِعم المولى على عباده المثقفين العرب، أن أدركوا أن حلبات التنكيل الجيوسياسي غير المتكافئة، إنما هي مسارح دراميّة، توضع فيها معادن الثقافة على المحك، وكما لم يقل أبو الطيّب: «على قدر أهل النوم تأتي الجرائمُ.. وتأتي على قدر الظلام المظالمُ».
من طرائف الثقافة، غرامها باللعب، لا بالألاعيب. هي تلعب بالزمن، مثل الفيزياء، التي تجعل المستقبل يعود بك إلى الماضي. حين تتجاوز سرعة الضوء يرجع الزمن إلى الوراء، مع الاعتذار لشدو «كوكب الشرق»: «قل للزمان ارجع يا زمان». فيلم «ما بين النجوم» بليغ ولو كان فنّاً من الخيال العلمي. تفنيد أطروحة أينشتاين يرفعك إلى ذرى «نوبل» في الفيزياء. لكن القرن الرابع الهجري، الذي صدح فيه المتنبّي: «أعلى الممالك ما يُبنى على الأسلِ»، وكل ما سبقه منذ نشأة الشعر العربي، هو الأجدر بأن يكون الحاضر والمستقبل، لا أوضاع العالم العربي اليوم. سينتشي المثقف بأن السيف أصدق من الكتاب.
على دماغ الثقافة أن يعيد النظر في أدائه. الحضارة الغربية اتهمت شبيبة ملياري مسلم بالإرهاب والتطرف الديني، وانقضّت على مواقع منتقاة من العالم العربي، بالحرب النفسية، «الصدمة والترويع»، المغلّفة بالأوراق المزخرفة ببهارج التحرير ونشر الديمقراطية وإعادة الإعمار. طوال الربع الأول من هذا القرن، وإعادة تشييد العراق وليبيا، على قدم وساق. أمّا غزّة، فقد جعلوها فراديس تجري من تحتها الأنهار القانية، والرؤوس قطوفها الدانية، والحضارة الغربية الأمّ الحانية.
الشبيبة العربية الإسلامية والعالمثالثية، لوّحوا لها بأن السلام العالمي لا يتحقق إلّا ببناطيل الجينز الممزّقة، لا بالعلوم والتنمية والقوة الدفاعية، لكي تحفظ الأوطان بطول القنا لا بالتمائم. لكن، عندما انقادت للغرب فئات انطلت عليها الأحابيل والأباطيل، فوجئ المنخدعون بأن القوة انبرت للعالم معلنةً أنها نضت عنها ثوب الدفاع، وشمّرت عن ساق وزارة الحرب، فشدّوا. من يستطيع اليوم أن يعيد العقارب ثمانين حولاً إلى الوراء، فينطلق شريط التاريخ بما يتمنى المرء ويدرك، وتجري الرياح بما تشتهي السفن؟ يحتاج المثقفون اليوم إلى أن يكونوا في مستوى الدور الحساس، لأن التحولات الجهنمية التي تهز المنطقة قبل غيرها، يمكن أن تزعزع دعائم الوجود العربي، بسلبه دوره على المسرح الدولي.
لزوم ما يلزم: النتيجة التفاقمية: نقلة عجيبة، أن تنتقل القوة المتغوّلة من تمزيق سراويل الجينز، إلى مخطط تمزيق خرائط الشرق الأوسط، لتشكيل نموذجها الخاص.
[email protected]