هل ستقول إن العنوان لا يخلو من دعابة، فهو يعود بالذاكرة إلى العميد طه حسين، وهو يحدّد بالذات الإنتاج لا الإبداع؟ المقصود حينئذ التشكيك في قيمة نصوص لا تعدّ أصيلة، ولا إبداعاً. قلت للقلم: ألا تخشى أن توصم بالماركسية، التي آثرت، خصوصاً في الحقبة الستالينيّة، استبعاد الكلمات التي لها إيحاءات غيبيّة، مثل الإبداع والإلهام والوحي. الإنتاج مثل الآلة، الدجاجة، الخبّاز، لا خلوة صوفية، لا أبراج عاجيّة، ولا خيال خلاّق يلتقط الإبداع الشعري والموسيقي بواي فاي الإلهام.
التبعية الثقافية بانوراما، وراءها ألف دراما. إنما آفة الآفات، فصل الثقافة عن التحقيق والتدقيق، وإعفاؤها من ضوابط البحث العلمي ومعاييره. هل تتصور أن الأوضاع الفنيّة في العالم العربي، كانت ستتردّى، لو كانت فيه جمارك ثقافية يقظة، وتحرّيات ثقافية ذات كفاءة؟ أربعمئة مليون عربي ليس لديهم أمن ثقافي رشيد.
أمس ذكر القلم أن القاعدة التي تحميها القوانين في الأغذية، هي: ما لا يقتل فوراً، مباح. في الثقافة أيضاً: ما لا يمسّ السياسة والمعتقد، فلا جناح عليه، يُبث ويُنشر، و«يكسّر الدنيا». ما يهبط بالذوق العام، لا يترك دماراً أو تخريباً واضحاً، فيُترك طليقاً يسرح ويمرح. لم يحدث أن استقبلت طوارئ المستشفيات فئات أصيبت بتسمم جرّاء سماع أغنية هابطة، ولا حشوداً جاءت على النقّالات بسبب مسلسل في منتهى الانحدار.
لا وجود لمؤسسات لها قيمة أكاديمية تضبط الإيقاع وتراقب وتتابع. شيء معيب أن يجد قراصنة الفنون الأبواب مشرعة أمامهم من دون كيف ولماذا؟ ربما لسوء حظ الأعمال الحداثوية، تلقّت السهم، وإلا، فإن النماذج، التي يُشك في أصالتها كثيرة. الشك هنا لا يتجنّى عليها، فهذه التيارات لا تمتّ لهويتنا الثقافية بصلة، فنفي الأصالة لا غبار عليه. هي موجات ظلت لسنوات عاتيةً في أوروبا، وفتحت لها التبعية الثقافية أحضانها فاكتسحت واجتاحت ونسفت. ثم، عندما انفضّ المنجرفون من حولها، خاب مسعى عنتريات التبعية. الخيبة الأنكى هي أن النقاد الذين طبّلوا وزمّروا للحداثويين، بلعوا ألسنتهم حين تبخّر ماء وجوههم. الآن، منذ أكثر من عقدين وهم شهرزاد خرساء.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإيقاظية: خذ الأصالة عن الصوفي نجم الدين الرازي: «ليس خارجك كل ما في العالم.. من ذاتك اطلب كل ما تريد، فإنه أنت».
