على الرغم من مسارعة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تعيين وزير دفاعه سيباستيان لوكورنو، اليميني الموالي له رئيساً للوزراء لتلافي الدخول في أزمة سياسية شائكة عشية احتجاجات شعبية مقررة، إلا أن ذلك يؤكد، مرة أخرى، حاجة فرنسا إلى التغيير.
سقوط حكومة بايرو، بحد ذاته، لم يكن مفاجئاً، إذ إن مصيرها كان معروفاً منذ اليوم الأول لولادتها، كونها لم تكن تمتلك لا أغلبية مطلقة ولا نسبية، وكان بقاؤها مرهوناً دائماً بتساهل المعارضة التي كانت تدرك أن إسقاطها يتطلب إنضاج اللحظة المناسبة. حتى أن بايرو نفسه، عندما اعتلى المنصة لإلقاء كلمته أمام نواب الجمعية الوطنية (البرلمان) وطلب منح حكومته الثقة، بناء على خطته للموازنة العامة ومواجهة المديونية التي بلغت 3415 مليار يورو والتي سترتب على فرنسا فوائد تزيد على 67 مليار يورو في العام الحالي، كان يدرك أنه يوجه خطاباً للتاريخ، وأنه لن يتمكن من إقناع المعارضة بشقيها اليمين المتطرف واليسار بالموافقة على خطته، وأنه يواجه مصيره المحتوم لا محالة.
وبذلك يكون بايرو أول رئيس حكومة منذ قيام الجمهورية الخامسة يلقى هذا المصير، حيث رفض نواب البرلمان منحه الثقة التي لم يطلبها عند تشكيل حكومته. لكن بايرو لا يتحمل وحده مسؤولية الفشل بقدر ما يتحملها الرئيس ماكرون الذي كان قد اتخذ قراراً كارثياً، بحسب المراقبين، عندما حل البرلمان ودعا إلى إجراء انتخابات عامة جاءت ببرلمان منقسم إلى ثلاث كتل رئيسية، هي اليمين المتطرف واليسار، إلى جانب «الكتلة المركزية» المشكلة من الأحزاب الداعمة لماكرون واليمين التقليدي، من دون أن يتمتع أي منهما بالأغلبية.
وبالتالي فإن تعيين لوكورنو لن يغير كثيراً من الواقع الراهن والأزمة السياسية القائمة منذ نحو عام، ذلك أن تعيين لوكورنو يأتي ضمن خيارات ماكرون التي تبقى محصورة في الكتلة المركزية التي تتكون من أحزاب (النهضة والحركة الديمقراطية وهورايزون وحزب الجمهوريين اليميني التقليدي). لكن يبدو أن ماكرون ضمن موافقة «الاشتراكيين» على تمرير سياساته المالية المتعلقة بالموازنة والمديونية من دون أن يعني ذلك تحولاً يصل إلى درجة التحالف. وبالتالي فإن الأزمة السياسية ستظل قائمة، ذلك أن تعيين لوكورنو، بحد ذاته، وهو السابع في عهد ماكرون، يعطي مؤشراً سلبياً بشأن نظام الجمهورية الخامسة الذي أُعلن في 1958 والذي عُرف لفترة طويلة باستقراره.
ويبقى التحدي المباشر الذي ستواجهه حكومة لوكورنو هو كيفية التعامل مع الحراك الشعبي الذي بدأ بالفعل والذي يذكر بحراك «السترات الصفراء» عام 2020، والذي تغذيه ضغوط المعارضة من أجل حل البرلمان وإجراء انتخابات عامة. وبالمحصلة فإن كل ذلك يضعف أداء ماكرون الذي يرغب في لعب دور مؤثر في الأزمة الأوكرانية والحرب الإسرائيلية على غزة، وحتى في محاولات ليّ الذراع بين واشنطن والاتحاد الأوروبي، ويؤكد حاجة فرنسا إلى التغيير مع وصول الجمهورية الخامسة إلى مشارف الشيخوخة.