ألم يجثم بعدُ جاثوم الضجر على ذهنك، جرّاء متتاليات الاستفزازات، التي تمطر العالم العربي متاعب؟ معاذ الله، فصبرنا لا يعرف الحدود، مثلما لا تعرف القوة الغاشمة لأطماعها في أرض العرب حدوداً. ما أفسح العيش في وهم الطامعين، لولا أن لخرائط البلدان شعوباً يمكن أن تستيقظ من رقدة العدم، تفرك أعينها، تتمطى، تعبّ جرعات تراثيةً سحريّةً، فإذا الجغرافيا العربية ملحمة لم تحلم بها إلياذة ولا أوديسة ولا إنياذة ولا شاهنامة.

لا بدّ من إعمال الفكر العميق، فالأزمات تشتدّ، وتتهدد بأن تنفجر، بينما السائد هو الأمل في أن تنفرج. المشكلة المعضلة هي أن ما يجري في الشرق الأوسط من انفلات وعربدة، إنما هو مرتبط ارتباطاً عضوياً، بإدراك الغرب أن حزمة مقاليد الهيمنة العالمية، لم تعد كلها في قبضته بلا منازع. اليوم يرى العشرات من أكبر أدمغة الجغرافيا السياسية والاستراتيجية والاقتصاد، الغربيين، وهم يبشّرون الحضارة التي لم تغرب عنها الشمس، والتي أرت الجهات الأربع نجوم الظهر أنها لا تزال بعيدةً من غرفة الإنعاش، ولكن الشباب لن يعود يوماً كما كان، ولا منجاة من فقدان الورق الأخضر بعض يخضور عنفوانه في الأسواق، إلاّ أنه لن يصبح غداً الورق الأصفر في شهر أيلول. ورق الدولار لن يعود ورق ذهب مشغول، فما بعد الثالث من سبتمبر سيكون عالماً مختلفاً.

لا يستقيم التحليل السياسي في هذا المستوى، إذا لم يضع عليه التحليل النفسي لمساته الفاحصة. فلسفة التاريخ لها فنون في التطريز. يوم قرّر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون تعليق العمل باتفاقية بريتون وودز، فأنهى إمكانية تحويل الدولار إلى ذهب، كان ذلك لحل مشكلات قائمة. لكنه لم يكن يدري أنه أطلق العنان لعدّ تنازلي، ستظهر بوادره بعد عقود لم تكن في الحسبان. اليوم لم تعد غرابيل النفوذ والسيطرة والتوزيع الأوركسترالي تستطيع إخفاء حقائق الواقع. فمن الطبيعي أن يعتمل ضرام تراجع المكانة والمهابة، فلا يبقى من حلّ غير أن يصعّر عمدة قرية العالم خدّه، ويتهدّد الكوكب بالأرض المحروقة. ما تراه منطقة الشرق الأوسط ليس سوى توابع وزوابع لتلك التحولات العالمية. العربدة في الشرق الأوسط، ناجمة عن خوف تواري حماية الراعي. لكن الخريطة العربية أشبه بالحوت الذي تريد التهامه سمكة.

لزوم ما يلزم: النتيجة الإشكالية: المسألة خداع بصري، جعل الحوت يرى نفسه سمكة. علم النفس مهم لفهم السياسة.

[email protected]