الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف الدوحة مكانياً، طال قلب كل عربي صدمه تعامي ساسة تل أبيب عن الرسائل المحذرة من الاستمرار في الصلف والغطرسة، وتوهم أن القوة المدّعاة يمكن أن تضع قواعد التعايش في المنطقة.
ومن أسف، أن بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، لا يزال يصم أذنيه عن هذه الرسائل، ويمضي في سياسته المحفوفة باحتمالات تفجير المنطقة، مهدداً من جديد، بلا خجل من عدوانه الأول، باستهداف قطر، وهو ما استوجب مجدداً الإدانة الإماراتية، ودعم البلد الشقيق.
ورغم الالتفاف العربي حول قطر في مواجهة ما جرى، فإن اللحظة تبدو أكثر خصوصية في منطقة الخليج التي تستمسك بتعاونها وتقبض على أهم معانيه، وهو المصير المشترك.. هذا المعنى الوجودي ماثل للقريب والبعيد في جهود الإمارات التي بادرت، كالعادة، إلى تطويق قسوة الاعتداء، لا باستنكاره وإدانته البديهيين فقط، إنما بالوقوف الفوري إلى جانب الشقيق، وتأكيد صلابة بنيان البيت الخليجي وتجديد وقوفه المشترك في وجه كل عاصفة حتى تنكسر كسابقتها.
كانت الإمارات الأسرع إلى مواساة قطر، وهو أمر تفرضه رابطة الدم وأخلاق «الفزعة» الواجبة مع شقيق في جسد عربي خليجي واحد. وتتوالى جولات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بين دول الخليج، إدراكاً لخطورة اللحظة، وجمعاً للجهود على كلمة سواء لا تستنكر الجريمة الإسرائيلية فحسب، بل تتحصّن في وجه أي خطر يهدد المنطقة بأكملها.
قبلها، كانت الإمارات تحذّر من استمرار العبث الإسرائيلي، لكن أحداً لم يتصور أن يطال عاصمة خليجية، والمؤكد أن ما قبل الاعتداء على الدوحة ليس كما بعده، وأن الإحساس بخطورته تجاوز المنطقة إلى بقية العالم، فلسنا أمام مجرد خرق إسرائيلي جديد للقانون الدولي تداويه الدبلوماسية أو تحتوي آثاره، إنما الأمر أكبر من ذلك بكثير.
ليست العواصف جديدة على منطقة الخليج، فكم تحطمت على شواطئها فتن ومحاولات تفرقة، وإن كانت قطر في هذا الظرف هي الأولى بالمساندة والدعم من كل الأشقاء، فهي لا تتفرد بإحساسها بالخيانة، كما وصفت العدوان الإسرائيلي عليها، بل تتوحد الجهود العربية في فضح فداحته، ومواجهته برد يمنع تكراره في التعامل مع أي بلد عربي.
و«قمة النار» التي بلغتها إسرائيل بالاعتداء على الدوحة وأحرقت بها ثوابت في التعامل السياسي الحكيم، لن تكون برداً وسلاماً عليها، فالفعل الأحمق يقوّض أمن المنطقة وفرص السلام، ويجعل جهود قطر وبقية دول الخليج المقدرة في صياغة أسس الاستقرار محل مراجعة. والأهم أن هذا الفعل يفرض على كل دول المنطقة إعادة حساباتها في التعامل مع إسرائيل التي تعيش لحظات جنون وتهور تستهين بنتائجها.
لن تفلح إسرائيل، بحماقة ساستها وتطرفهم، في أن تأخذ الجميع إلى «قمة النار»، كما سمّت عدوانها على الدوحة، ولا حد للردود عليها في إطار القانون الدولي.
سترد قطر بما تراه مناسباً لها من إجراءات، وسترد الدول العربية والإسلامية في قمتها المنتظرة بالدوحة بمزيد من دعمها، وسترد صلابة البيت الخليجي المتوحد الكائد بكيده.