عبدالله السويجي

مع صدور هذه المقالة يكون قد مر تسعة أشهر على المبادرة القيّمة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، التي تقضي بتخصيص عام 2025 ليكون عام المجتمع في دولة الإمارات تحت شعار يداً بيد. ولا يمكننا الآن التحدث عن مخرجات المبادرة، لأنها مبادرة اجتماعية في المقام الأول، وهذا يعني أن الأثر لن يحدث فوراً، وإنما من خلال التراكم القيمي للممارسات الأخلاقية. والمبادرة لا تهدف كما قد يفهم البعض إلى تأسيس التآزر الاجتماعي وتمتين أواصر المحبة والتعاون بين مكونات المجتمع الإماراتي، وإنما، نحن نفهمها على أنها تتويج للعمل المجتمعي الذي تمارسه الدولة كحكومة، وأبناء دولة الإمارات العربية المتحدة كشعب، وما إطلاق المبادرة سوى إعلان مهم وتذكير أهم بفلسفتها ومبادئها وأهدافها، وهذه العناصر كلها تتحول شيئاً فشيئاً إلى سلوك يومي، وهو المبتغى من أي مبادرة.
ذكرنا مبادرة عام المجتمع لنؤكد على صدق تصورنا وتوصيفنا لها بأنها تتويج لكل المبادرات ذات الصلة بأسماء الأعوام في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكل ما نلمسه ونراه في المشهد الإماراتي، أو إن جاز لنا التعبير، في اللوحة الإماراتية، أو الجدارية الإماراتية، هو نتيجة للسياسات الحكيمة والرؤية الرشيدة لصاحب القرار في دولة الإمارات العربية المتحدة، المتمثل في القيادة المنسجمة، التي جعلت رخاء المواطن الإماراتي هدفاً لها، والرخاء مصطلح علمي وليس شاعرياً أو ترفيهياً، لأنه محصّلة للجهد، وبشكل أدق، يقول الإنسان بعد أن يجلس على أريكة مريحة ويتنفس الصعداء بعد جهد كبير، يقول: (يا سلام، أو يا الله، أو الحمد لله) ما يعني أن الهدف تم إنجازه بدقة، ويتم تتويجه بعبارة من العبارات السابقة، الحاملة للرضا والاعتزاز والاطمئنان.
فابتداء من عام التوطين الذي حمله عام 2013، الذي راجعت فيه المؤسسات الاتحادية السياسات الحكومية، وخلق بيئة محفّزة للابتكار، مروراً بعام القراءة في 2016، الذي تم فيه استقطاب نحو 1500 فعالية للقراء، وعام الخير في 2017 وأُطلقت فيه مئات المبادرات الإنسانية، وعام زايد في 2018 وجاء الإعلان بمناسبة مرور 100 عام على ميلاد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، بهدف إبراز دوره في تأسيس وبناء دولة الإمارات المتحدة، وعام التسامح في 2019، وعام 2020 عام الاستعداد للخمسين، وعام الخمسين في 2022/2021، احتفاء بالذكرى الخمسين لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وعام الاستدامة في 2023 و2024، وذلك لتشجيع ممارسات الاستدامة والعمل الجماعي مع اعتماد شعار اليوم للغد وتم تتويج الأعوام في 2025 بعام المجتمع.
ومن يدرس مبادرات هذه الأعوام يستنتج أن تخصيصها لم يكن جزافاً، وإنما ضمن الخطط التنموية والاستراتيجيات الرئيسية والبرامج التوعوية، لتشكل حلقة متكاملة ومتداخلة تقود إلى الاستدامة القيمية والمعرفية والخدماتية والابتكارية والعلمية والسياسية، بل إننا نذهب أبعد من ذلك، بقولنا إنها من أجل إشراك المواطن في صنع السياسات والبرامج والخطط، وجعله مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن نفسه وعن أسرته ومجتمعه، مسؤول عن حاضرها ومستقبلها، وبذلك تكون الحكومة قد مارست أرقى مبادئ الديمقراطية وهي المشاركة في إدارة البلاد، وتوزيع العبء والمسؤولية، وبذلك تكون الحكومة هي مايسترو الإدارة والمواطن هو العازف والمسؤول عن إيقاع الدولة من خلال إيقاع عمله وجنوحه نحو الابتكار والتجديد.
إن طبيعة العلاقة بين الحاكم والشعب كشفت عدم ضرورة لوجود الأحزاب السياسية، ولكن بالمقابل، هنالك منطق التنمية: إذا كان تعدّد الأحزاب هو المشاركة في اتخاذ القرار، والمشاركة في التنمية، فإن تنمية استثنائية تم إنجازها عن طريق اتخاذ القرارات الحكيمة لصالح الشعب، وقد ساهم فيها الشعب بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وبالتالي يمكننا القول إن لدى دولة الإمارات العربية المتحدة مجموعة من الأحزاب الكبيرة، تتنافس فيما بينها من أجل كرامة المواطن والأجيال الصاعدة وهي: حزب التوطين، حزب القراءة، حزب زايد، حزب الخمسين، حزب الاستدامة وحزب المجتمع، وستولد أحزاب أخرى في الأعوام المقبلة، وما يميز هذه الأحزاب عن الأحزاب الأخرى هو أن كل فرد من أبناء الشعب الإماراتي عضو في كل الأحزاب، وسيكون كذلك في كل الأحزاب المقبلة، التي تتنافس من أجل رفعة الإمارات. وسأنحاز هنا إلى حزب الاستدامة بعد حزب زايد، لأنه يحمل فعل الديمومة في كل الميادين، الاستدامة في التوطين، والخير، والقراءة، والابتكار، والاتحاد، والقيم، وسيكون هذا الحزب هو القاسم المشترك بين كل الأحزاب.
لدولة الإمارات العربية المتحد، حجتها ومنطقها ومصطلحها، وهي قادرة على تجديد المفاهيم، إن كانت في محاور تخصيص الأعوام، أو محاور استشراف المستقبل، أو حتى مفاهيم غزو الفضاء، وفلسفة العالم اليوم تستند إلى المفاهيم المعرفية، النظرية والتطبيقية، وهي فلسفة متحركة ومتجدّدة، وهذه الفلسفة هي التي اتبعها القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بذكائه الفطري، وعلمه الأصيل، وقيمه الثابتة، ونظرته المرنة للأمور، وسار على هذه الاستراتيجية القادة الأبناء والأخوة، ويسعون إلى نقلها للشعب في الدولة، استناداً إلى أن العيش في العالم المتحرر والمتقدّم يتطلب عقلية متحررة ومتقدمة ومرنة.
[email protected]