تعتبر إعادة صياغة التراث الشعبي في الفنون المعاصرة فعلاً ثقافياً عميقاً يربط بين الذاكرة والهوية من جهة، وبين المستقبل والابتكار من جهة أخرى، وفي المجتمعات العربية، كما لدى سائر شعوب العالم، يمثل التراث الشعبي معيناً لا ينضب من الرموز والصور والحكايات والأنماط التعبيرية، وعندما يعاد طرحه ضمن سياقات الفن المعاصر يولد حوار حقيقي بين الأجيال، وتتحول عناصر الحرف والمعتقدات والقصص الشفوية إلى مواد إبداعية جديدة.
التراث الشعبي لا ينحصر في الأغاني والأهازيج أو في الموروث الشفوي فقط، وإنما يمتد ليشمل الأدوات اليومية، الحرف التقليدية، الزخارف، والأزياء، وأنماط السكن، بل وحتى الأمثال والعادات، وهذه العناصر هي بمثابة ودائع رمزية تختزن خبرات الشعوب، وتوفر للفنانين المعاصرين رصيداً بصرياً وسمعياً يتيح لهم إعادة تركيبها وفق لغة عصرية حديثة.
*حركة مزدوجة
عملية إعادة صياغة التراث الشعبي تنطوي على حركة مزدوجة، فمن ناحية هي حفظ المرجعيات من الاندثار وفي الوقت نفسه تحديثها عبر أدوات بصرية وتقنيات ومفاهيم جديدة، إذا أخذنا السينما مثلاً، فهي قادرة على استحضار الأسطورة الشعبية وإعادة تركيبها بلغة الصورة الرقمية والتقاطع مع الفانتازيا العالمية، كذلك الشعر الحديث يوظف الإيقاعات الشفوية والمفردات الموروثة في قوالب جديدة، لتنتج نصوصاً تزاوج بين النَفَس التراثي والحساسية المعاصرة.
وإذا ما عرجنا على الفنون البصرية المعاصرة يمكن رصد العديد من التجارب العربية التي استثمرت التراث الشعبي. فالفنانون في الخليج العربي، على سبيل المثال، لجؤوا إلى إعادة إنتاج رموز مستمدة من الحرف النسائية مثل الخوص والسدو في أعمال تركيبية تحاور العمارة الحديثة بتشكيلات فنية عالمية، كما أن بعضهم أعاد صياغة النقوش البدوية في أعمال تصويرية تعرض في الفضاء الفني العالمي، فتتحول النماذج المحلية إلى لغة تشكيلية مفهومة عبر الثقافات.
أيضاً نلاحظ أن المعارض والبنايات العالمية كثيراً ما تحتفي بأعمال تستمد روحها من المحكي الشعبي، لكنها تنفذ بأدوات معاصرة كالفيديو آرت أو التركيبات البصرية، فالموروث الشعبي مرن وقادر على التكيف مع الحساسيات الفنية الراهنة.
*جماليات جديدة
المسرح العربي منذ بداياته الحديثة ظل شديد الصلة بالتراث الشعبي، خصوصاً الحكايات والسير الشعبية مثل سيرة أبي زيد الهلالي أو عنترة وملحمة سيف بن ذي يزن، لكن المسرح المعاصر لم يكتفِ باستعادة هذه المادة، بل أعاد كتابتها ضمن سياق نقدي معاصر، بعض التجارب، مثل مسرحية «مقامات بديع الزمان الهمذاني» بإخراج فاضل الجعايبي أو تجارب المسرح الفقير المستمد من السامر والأراجوز، أعادت توظيف الأشكال الأدائية الشعبية لتوليد جماليات جديدة.
في الخليج أيضاً، وظف بعض المسرحيين عناصر الغناء البحري وأهازيج الغوص في عروض معاصرة، ليعيدوا خلق فضاء مسرحي مرتبط بالهوية التاريخية لكنه مطروح بأسلوب تقني ومسرحي حديث، وهذه الجدلية بين الأداء الشعبي والتجريب المسرحي تجعل من المسرح ساحة اختبار مثالية لإعادة صياغة التراث.
الموسيقى أيضاً، واحدة من أبرز المجالات التي أعادت صياغة التراث الشعبي. ففي حين تعتمد الموسيقى الشعبية التقليدية على المقامات والإيقاعات الموروثة، نجد أن الموسيقيين المعاصرين باتوا يوظفون هذه البنى داخل تجارب إلكترونية أو حتى ضمن الموسيقى التصويرية السينمائية، هذا ما نراه في أعمال موسيقيين عرب مزجوا الأغنية أو الأهازيج الشعبية مع الموسيقى العالمية.
والنتيجة هنا هي خلق رابط متين يربط بين السمعيات الأصيلة وبين ذائقة الشباب المعاصر، فالتراث حين يبث عبر منصات الموسيقى الحديثة وبقوالب إيقاعية جديدة يصبح أكثر قدرة على الاستمرار والحضور في الذاكرة.
*تحديات
لكن عملية إعادة صياغة التراث ليست بلا إشكالات، فهناك دوماً خطر اختزال الموروث إلى مجرد زخرفة أو فولكلور معزول عن سياقه، وهو ما قد يحوله إلى سلعة للعرض السياحي من دون عمق ثقافي، ومن هنا فإن الفنان المعاصر مدعو إلى التعامل النقدي مع التراث من خلال استلهام روحه لا مجرد نقله شكلياً.
فعلى الرغم من أن الفن المعاصر يخاطب جمهوراً واسعاً حول العالم، إلا أن استلهام التراث المحلي يمنح العمل فرادته ويحافظ على خصوصيته الثقافية، وهنا نجد أن الفنان العربي الذي يوظف الحكاية الشعبية أو الأهازيج الوطنية يطرح قضاياه للعالم من خلال لغة بصرية أو سمعية يمكن للآخر تلقيها وفهمها، مع بقاء البصمة المحلية حاضرة.
بهذا المعنى يصبح التراث وسيلة لتأكيد الهوية الثقافية أمام موجات العولمة والتماثل الثقافي، ويصبح الفن المعاصر أداة لتجديد روح التراث وضمان استمراره، لكن بروح تتجاوز الجمود وتستجيب للمتغيرات الزمنية.
*انتماء
يمكن القول إن إعادة صياغة التراث الشعبي في الفنون هي استجابة لحاجة عميقة لدى الإنسان الحديث، لتعزيز الشعور بانتمائه إلى ماضيه، وهي محاولة لالتقاط الجذور وزرعها في تربة جديدة قادرة على منحها حياة وروحاً أخرى، ولعل التحدي الأكبر يكمن في أن تكون هذه الاستعادة نقدية وخلاقة، بحيث لا ينقلب التراث إلى بازار، وإنما يجب أن يكون ورشة عمل مفتوحة على الاحتمالات والإبداع.
بهذا يصبح للتراث الشعبي أفق يتجدد باستمرار عندما يدخل في حوار حي مع الفنون المعاصرة، من المسرح والموسيقى إلى التشكيل والسينما والأدب، هذا الحوار هو الذي يصنع للفن العربي والعالمي معاً معنى يتجاوز اللحظة، ويربط الجذور بظلالها الممتدة في الحاضر والمستقبل.