يتصاعد الزخم العالمي لدعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة عشية الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي ستعرف غداً الاثنين يوماً تاريخياً يشهد اعتراف قوى عالمية وازنة مثل بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا وبلجيكا والبرتغال بالدولة الفلسطينية، وهو إنجاز طال انتظاره وما كان متوقعاً لولا الإجرام الإسرائيلي المتمادي في غزة، وأدى إلى ردة فعل عكسية لها ما بعدها في الشرق الأوسط.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، استبق بدء اجتماعات الجمعية العامة، بإطلاق رسالة طمأنة إلى العالم كي لا يخشى «ردود الفعل» الإسرائيلية على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبراً أنه «من المهم أن يشعر الإسرائيليون بأنهم يزدادون عزلة لكي يحصل تغيير». ومن الواضح أن هذا التصريح لا يقصد إسرائيل وحدها، بل الإدارة الأمريكية أيضاً التي مازالت ترفض اتخاذ موقف إيجابي بليق بكونها قوة عظمى مسؤولة عن الأمن العالمي وحقوق الشعوب، ومنها الشعب الفلسطيني الذي تفتعل بحقه تل أبيب أبشع الجرائم وأفظعها، والمشاهد المسرّبة عن الكارثة الإنسانية المؤلمة في غزة، لا تحرك الضمير الإنساني فحسب، بل تكاد تُنطق الحجر لما تحتويه من بشاعة قل نظيرها وفظاعة لم تخطر في أذهان أعتى القتلة والسفاحين عبر التاريخ المعروف.
الاحتفاء بفلسطين وعزلة إسرائيل، ستكون مفارقة استثنائية في اجتماعات الجمعية العامة لهذا العام، ولأول مرة منذ ثمانين عاماً ستهيمن القضية العادلة على اللقاءات والخطابات والمواقف، وستكون المعيار الوحيد للفصل بين من ينتصر لشرعة الأمم المتحدة ومن ينقلب عليها، وبين من يقف إلى جانب العدالة ومن يسعّر ظلماً تاريخياً ولا يريد أن ينهيه. ومن الواضح أن الدورة الثمانين أيضاً ستشكل منعطفاً فارقاً في مسيرة الأمم المتحدة يضعها أمام لحظة حاسمة للدفاع عن مبادئها وهيبتها أم الرضوخ لنوازع القوى المتطرفة والشعبوية لتسود العالم شريعة الغاب بدل القيم الإنسانية النبيلة.
قبل العدوان على غزة، لم يكن أحد يتخيل أن تحوز القضية الفلسطينية على هذا الفيض الجارف من التعاطف الدولي والاعتراف. كما لم يكن أحد يتخيل أن تصبح إسرائيل معزولة ومنبوذة بهذا القدر، ولو لم يكن هناك واقع يؤكد هذا التحول الدراماتيكي، لربما اعتقد البعض أنه سيناريو هوليودي، رغم أن كثيرين مازالوا يعتقدون أن في الأمر خدعة أو «مؤامرة»، متجاهلين أن العالم يتغير ويحاول إنقاذ النظام الدولي، الذي أفلس وسجل فشلاً ذريعاً في الدفاع عن مصداقيته، وآخر شاهد على هذا الإفلاس، الفيتو الأمريكي الأخير الذي أحبط مشروع قرار أيّدته كل الدول في مجلس الأمن لوقف حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة.
الرد على هذا الفشل المفضوح، سيكون التفافاً دولياً غير مسبوق حول الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، وهاهو العالم أجمع ينتفض للدفاع عن «حل الدولتين»، وينتصر للأبرياء والنازحين والجياع في غزة المكلومة منذ عامين. ومن الواضح أن هذا التغيير الذي يحدثه الاعتراف بالدولة الفلسطينية مجرد بداية، والآتي سيكون أكثر إثارة ودهشة، فالظلم لن ينتصر مهما طال وحشد من شر وقسوة، أما العدالة فستكون جائزة الخلاص لكل شعب ضحّى وصبر وكافح من أجل قضية عادلة.