هل لاحظت في الشهور الماضية تكاثر المواقع الأجنبيّة، التي تدرّس لغةً أو لغات بالذكاء الاصطناعي؟ وهل جلب انتباهك في الأشهر السابقة، ارتفاع عدد المواقع العربية، التي تعلّم النحو، وإعراب الكلمات والجمل تحديداً؟ هؤلاء المدرّسون يُسدون خدمات جليلةً إلى لغتنا، غير أن أسلوب الإعداد والعرض، يحتاج إلى تغيير جذري، فهو ما نراه في مقرّر المناهج، وهذه بدورها تكرار مخفّف عمّا في بطون المتون القرونية.
تصوّر في إعراب بيت، يقال: «كم، خبريّة تفيد الكثرة، اسم مبني على السكون، في محل نصب، مفعول به مقدم»، ثم تتكرر في البقيّة عبارة «لا محلّ له من الإعراب»، ثلاث مرات. قبل أكثر من ألف عام، أوصى الجاحظ المعلمين «بألاّ يعلّموا الصغار إلاّ ما يحتاجون إليه في حياتهم اليومية». مأساة الكبار أكبر. تخيّل: هذه المفعوصة «كم» يلزمها قطار عربات إعراب. ثم إن الناس يعرفون المفعول به مثل: «أكل عليّ الخبزَ»، وعلامته الفتحة الظاهرة في آخره، فإذا بهذه الأداة تنتحل شخصية المفعول، وتغدو، وهي المبنية على السكون، في محل نصب، وتتقدم على غيرها، مثلما تقدّم ترامب على الملك تشارلز الثالث. واعجبا، أمور كهذه يكبّلون بها الطاقات الذهنية لدى النشء الجديد. كم عدد الطلاب الذين أنهوا الثانوية العامة، وهم قادرون على كتابة صفحة بلا أخطاء؟.
خرجنا قاب مترين عن الموضوع. كيف استطاع أصحاب مواقع صينيّة، بريطانيّة، فرنسية.. أن يعدّوا منهجاً لتدريس لغاتهم بالذكاء الاصطناعي، ونحن ههنا قاعدون، نرجو الفعل من الغير؟ هل من العسير أن نعرف البلدان العربية، التي لديها برامج لوضع مناهج، لتعليم العربية بأساليب جديدة؟ نخشى أن يتحرك الحس الاستباقي الابتكاري، لدى الصينيين، ويوقنوا أن العرب عجزوا عن الإبداع والتجديد، بينما المشروع تجاري استثماري، فيهبّوا لوضع منهج وحيد عصره وفريد دهره، لتعليم العربية في مدّة قياسية لأربعمئة مليون عربي، أو ملياري مسلم، ولكل آدمي يفاجأ بأن تعلّم لغتنا، لم يعد يتطلب أياماً لاستيعاب ألغاز «كم»، المبنيّة على السكون، في محل نصب، مفعول به مقدم.
لكن، في الختام، يريد القلم أن يهمس لك ببنت شفة تحليلية نفسانية سياسية: رجاءً لا تستعجل الحلول إن كنت حكيماً، فالدماغ يعمل في جميع الميادين بطريقة أداء واحدة، فلا تنتظر منه أن يكون حازماً حاسماً معتصَميّ الاستجابة إزاء قضايا اللغة، إذا كان غافلاً غافياً عن قضايا بلاد العُرْب أوطاني.
لزوم ما يلزم: النتيجة الحذرية: لا أحد يقول إن الذكاء الاصطناعي سيحل محلّ علماء اللغة وواضعي المناهج، لكن، أهلاً به كقيمة مضافة إلى الحلول.
[email protected]