العقاب الجماعي هو إيقاع الأذى بالمذنبين والكسالى والمخربين، ومعهم غير المذنبين والنشطون والبنّاؤون والمقاومون، أي إيقاع الأذى بكل الناس الموجودين في منطقة حدثت فيها واقعة صغيرة أو كبيرة، تحت هذا الفعل الجماعي السلبي يندرج التربويون وأولياء الأمور والسياسيون والعسكريون والمجرمون.
ويذكرنا هذا العقاب الذي لا يخلو من جهل وسادية بنمط تعليمي ساد في أكثر من بقعة جغرافية على هذه الأرض، وليس العالم العربي فقط، وكان موجوداً في الكتاتيب والمدارس. فحين كان أي تلميذ يأتي بسلوك لا يعجب المدرس أو يخرج عن نطاق الأدب والقيم والأخلاق المتعارف عليها، يغضب المدرس ويعاقب الفصل بالكامل بقوله: (جميعكم ستنالون العقاب)، فيذهب الطالب الصالح المجتهد المؤدب بجريرة الطالب المشاغب الكسول.
وقبل أن ننتقل إلى ميدان آخر، فإن المدرس ذاته وفي الفصل ذاته، حين يظهر أحد التلاميذ اجتهاداً فائقاً يسعد المدرس، فإنه لا يقوم بتقديم مكافأة للتلاميذ جميعاً، فالمنطق يقول: مثلما هنالك عقاب جماعي، يجب أن تكون هناك مكافآت جماعية، وهذا ما لم يحدث في السابق ولن يحدث في المستقبل.
وبعيداً عن المدارس، حيث الرحمة النسبية والعقاب المثير للجدل، يمكن أن يتم العقاب الجماعي في الأسرة الواحدة، فيلجأ الأب أو الأم إلى معاقبة جميع أفراد الأسرة لخطأ ارتكبه أحدهم، والمقاربة تفرض نفسها مرة أخرى، فلا يتم مكافأة من يقوم بفعل يرفع رأس الأسرة كلها، لا يتم تكريم كل أفراد الأسرة. ومنذ زمن، ونحن نقرأ عن عقوبات جماعية داخل الأسرة الواحدة، إذ يقدم الأب على قتل الأبناء والأم ويقتل نفسه أيضاً، فأي عقاب جماعي قام به الأب الذي نحر وانتحر.
ويمتد العقاب الجماعي ليشمل الدول، فتقوم دولة ما بمعاقبة دولة أخرى بسبب سلوك محدّد قام به أحد أفراد الدولة المُعاقَبة، وهو أمر فيه غطرسة وتظهر شريعة لا تتفق والمنطق والعلاقات الدبلوماسية، كما حدث بعد عملية جسر الكرامة الواصل بين الأردن وإسرائيل، وأقدم أحد السائقين على قتل جنديين إسرائيليين، وجرح آخرين، فما كان من إسرائيل سوى تحميل المسؤولية كاملة للمملكة الأردنية، وأوقفت المساعدات القادمة من الأردن إلى قطاع غزة المنكوب، وهنا تتم معاقبة دولة بسبب سلوك فرد، وهو منطق عشوائي.
وفي السياق ذاته، إذا قام أحد المواطنين الفلسطينيين بعملية عسكرية ضد جنود إسرائيليين، فإن القضاء يصدر قانوناً بهدم بيت مطلق النار، وبذلك تتم معاقبة أفراد الأسرة جميعاً. أما ما يحدث في قطاع غزة من مجازر وتجويع للشعب الفلسطيني بحجة محاربة مقاتلي حماس، فهو عمل يحمل الكثير من السادية والهمجية والاستعلاء والتخبّط والمغالطة، وربما الهزيمة، فما دخل الأطفال والنساء والشيوخ غير المنخرطين في القتال، وكل ذنبهم أنهم كانوا موجودين في منطقة تسيطر عليها حركة حماس.
وفي السياق ذاته أيضاً، فإن المجازر التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني، وشعوب أخرى في العالم، كما حدث في ميانمار والبوسنة، وسابقاً في ناغازاكي وهيروشيما، هي عقوبات جماعية متعمّدة، وذلك لإجبار القوى المسلحة على الاستسلام، وهو أسلوب ينطوي على نيّة مبيّتة لارتكاب القتل الجماعي لأهداف سياسية، إذا كان في فلسطين أو اليابان أو ميانمار وغيرها، أي أن العقوبات لا تهدف إلى التربية كما يمكن أن نفهم من سلوك المدرس، وإنما تهدف إلى انتقام ناتج عن حقد دفين.
وفي الواقع، وفي كل القوانين الوضعية والسماوية، فإن الإنسان كفرد مسؤول عن تصرفاته، وتتم محاسبته بناء على ذلك، فلا علاقة لجيرانه أو زميله أو صديقه بأفعاله، وبالتالي فإن أي عقاب للآخرين يقع ضمن الاعتداء المباشر والمقصود، أي أن هناك نيّة للقتل والتدمير، من دون أي هدف سوى إيقاع الأذى الجسدي والتهجير والتدمير.
أما العقاب الجماعي الذي يستهدف أبناء طائفة محددة أو مذهباً معيناً، فهو تطهير مذهبي وعرقي، ويدخل في دائرة تكفير الآخرين، أي أنهم ينفذون أمر الله، بينما يأمر الله المؤمنين بأن يتركوا أمر هؤلاء له.
إن أكثر حالات العقاب الجماعي شراسة تحدث في الحروب الأهلية، حيث يلجأ كل طرف إلى تصفية الطرف الآخر، وبعض المجموعات تتعاطى أنواعاً من الحبوب لقتل الحس الإنساني ليكون القتل سهلاً، والتدمير أكثر منهجية وتوحّشاً، ورغم ذلك، لا يزال شبح الحرب الأهلية يهدد أكثر من بقعة جغرافية في العالم.
هل المدرس، ولي الأمر، السياسي، العسكري سادي، ويستمتع بضرب أو قتل الآخرين، وهو في ذلك، مريض لا بد من عرضه على المعالجين، فإذا لم يُعالج يصبح مسعوراً ويجب قتله؟
هل العقاب الجماعي يؤكد توحّش الإنسان وميله إلى الدم والانتقام والسادية؟ مما يعني أن كل الفتوحات المعرفية والتطورات في المنظومة القيمية والحقوقية لم تتمكن من تدجين الوحش داخل الإنسان، وهذا الوحش يتغذى على قناعات سماوية، أي أنه ينفذ أمر الله على الأرض.
إن القوانين الدولية والمنظمات الحقوقية والعدلية تشجب العقوبات الجماعية لأنها ليست إنسانية، ولكن لا أحد يتصدّى للمتسببين، وبالتالي تبقى المسألة نسبية وأقرب إلى ازدواجية المعايير.
العقاب الجماعي
22 سبتمبر 2025 01:02 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 سبتمبر 2025 01:02 صباحًا
شارك