بعد بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال، قررت بلجيكا ومالطا ولوكسمبورغ وأندورا وسان مارينو اعترافها بالدولة الفلسطينية، وذلك بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة سياسية مهمة، تعكس تنامي الدعم الدولي للحقوق الفلسطينية، وتزيد من عزلة إسرائيل، وتنسف أسطورتها في الوعي الغربي، كدولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، وتسقط كل ادعاءاتها التي قامت على أكذوبة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، كما أن هذا الاعتراف يشكل ضربة قاتلة لما تحاول حكومة بنيامين نتنياهو تكريسه من محاولات الضم والتهويد والاستيطان، وإقامة ما يسمى «إسرائيل الكبرى»، أو «الشرق الأوسط الجديد».
«تسونامي» الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية يحمل أبعاداً رمزية وسياسية كبيرة، ويعزز حضور فلسطين في المحافل الدولية، فيما يواجه الاحتلال ضغوطاً متصاعدة لوقف الحرب على غزة، ووضع حد لحرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وخطط التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
لقد أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة «أن هذا الاعتراف يعزز حل الدولتين، عبر إضفاء الشرعية على الحقوق الوطنية الفلسطينية، وإحياء المفاوضات بشأنها، كما يتصدى لمحاولات تكريس الاحتلال أو واقع الدولة الواحدة».
كما شددت على أن «رؤية حل الدولتين تبقى الخيار الأمثل للسلام العادل، بعيداً عن دوامة العنف والحروب ومشاريع التفتيت»، وهو موقف يؤكد أن كل ما تحاول إسرائيل تكريسه من أمر واقع بالاحتلال والتوسع والضم من خلال القوة، ورفض مطلق لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، هو بلا قيمة شرعية أو قانونية، لأنه يتعارض مع أبسط المبادئ الإنسانية وشرعة حقوق الإنسان، كما أن النكران الإسرائيلي للحقوق الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية، والدعم الأمريكي المطلق للسياسة الإسرائيلية يصبح في ظل هذا «التسونامي» الدولي، معزولاً وبلا قيمة سياسية وقانونية، وسوف يسقط آجلاً أو عاجلاً.
لذلك، أصاب هذا الاعتراف إسرائيل بحالة من الجنون، لأنها تدرك تماماً أبعاده الاستراتيجية السلبية على كل ما قامت عليه سياساتها طوال العقود الماضية، كما أنها تدرك أن كل مخططاتها العدوانية التوسعية باتت الآن مرفوضة من العالم أجمع، وباتت تشعر بالعزلة، ما يؤدي بها إلى «دولة منزوعة الشرعية»، كما قال قائد سلاح الجو السابق في إسرائيل اللواء احتياط غاي تسور، كذلك رأى مانويل تراختنبرغ، وهو من مؤسسي حزب غيزكوت الجديد «أن إسرائيل في حالة طوارئ، لأنها أصبحت دولة جرباء منبوذة تقتل نفسها بنفسها»، فيما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك إن «إسرائيل تنهار»، والحكومة حولتها إلى «دولة منبوذة».
كما رسم الكاتب مارك تشامبيون في مقال له نشرته وكالة بلومبيرغ مؤخراً، صورة قاتمة لمستقبل إسرائيل، واستعرض كيف أنها انتقلت من «لحظة تعاطف دولي غير مسبوق إلى وضع من عزلة سياسية وأخلاقية حادة بعد تدمير واسع النطاق لقطاع غزة، ومقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتوظيف الغذاء والدواء كسلاح، وفتح تحقيق دولي في اتهامات الإبادة الجماعية».
رد الفعل الإسرائيلي على «تسونامي» الاعتراف بالدولة الفلسطينية كان هستيرياً، نظراً لأبعاده السياسية والقانونية. رئيس الحكومة نتنياهو اعتبر الاعتراف بأنه «يعرّض وجود إسرائيل للخطر»، وقال «لن تقام دولة فلسطينية غربي نهر الأردن، وسأرد على الاعتراف بعد عودتي من الولايات المتحدة»، في حين دعا العديد من وزرائه إلى فرض السيادة فوراً على الضفة الغربية، في حين كرر بعضهم القول إن الاعتراف «تفوح منه رائحة معاداة السامية وكراهية إسرائيل».
إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يعكس الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويساهم في تعزيز فرص السلام العادل والشامل والدائم في المنطقة. لكن الأهم هو تفعيل هذا الاعتراف وتحويله إلى أمر واقع.