ما رأيك في عبارة «تكوين العقل العربي»، التي تمثل واسطة عقد الفكر العربي المعاصر؟ الصيغ الوليدة المتفرعة بانوراما: نقد العقل العربي، نقد تكوين العقل العربي، إعادة تكوين العقل العربي.. بهذه الصياغات تستطيع تأليف كتاب. لكنك ستطوّح في الآفاق، وفي نهاية المطاف، يرجع إليك الفكر خاسئاً وهو حسير، فتهمس في نفسك: هل ما حدث في العراق وليبيا وسوريا والسودان ولبنان وفلسطين.. دلائل على وجود عقل جماعي عربيّ تلقّى خير تكوين متين مكين، على مرّ السنين؟
كسائر الأمم، نستعمل في ثقافتنا، مفردة «عقل» ومعها خلفية من المنطق والحكمة والرشاد والحصافة، والتروي والرؤية الثاقبة والنظر البعيد، والتفكير العلمي وعدم الانخداع بالمظاهر، وتجنب المزالق وحسن التصرف وعدم الانقياد للعواطف.. من أشهر المؤلفات الفلسفيّة، مثل «نقد العقل الخالص» للألماني كانط، إلى كلمة «بالعقل» في اللهجات العامية العربية. يبدو أن روّاد الفكر في العالم العربي، عندما كانوا يعكفون على القضايا المصيرية، كانوا ينسون النزول من أبراجهم العاجيّة، لذلك لم تكن نصوصهم على علاقة عضوية، بشعوب تنمياتها متعثرة، تعاني الأمّية وفقدان التنوير، وجمود التعليم، وقتامة التعتيم، في عصر جبروت العلوم. الملاحظ بأسف، هو أن نصوص روّاد الفكر، ظلت في حالة انعدام الوزن والتمكين، بين القمّة والقاعدة.
حتى لا ننزلق إلى غير المحسوس الملموس: ابحث كما تشاء عن أسباب عدم تأقلم العقل العربي مع العصر، ما أدّى بلا شك إلى عدم القدرة على «مواجهة التحديات»، العبارة التي هي درّة تاج التوصيات والقرارات في الجامعة العربية. ستدرك بلا عناء أن العلّة الأولى والأخيرة، هي أن العالم العربي يواجه التحديات بتفكير وإعداد وتخطيط، لا صلة لها بعصر العلم والتكنولوجيا، بينما المخططات المغرضة التي تستهدف الخريطة العربية ومن وما عليها وما تحتها، قائمة، منذ القرن التاسع عشر، على تفكير منهجي علميّ، مستلهم من الفيزياء والبيولوجيا.
مثلاً: يجتمع خبراء الجغرافيا السياسية والاستراتيجية، يقول قائلهم: «أيها السادة، ما هي الإمكانات المتاحة في علم الأحياء، لهدم مناعة جسم ضخم، من دون أن يحسّ فوراً بالهدم، ليكن على مدىً بعيد، إلى أجل غير مسمّى، تصبح فيه المعاول غير قابلة للمواجهة». ينبري آخر: «في الفيزياء أيضاً ما يخدم هذا الغرض. تعمل قوة جاذبة على جمع الأغبرة والغازات من الفضاء الكوني، ومع نموّ الكتلة بالمزيد من المجلوب، يزداد الضغط، وتظل الحرارة ترتفع، إلى لحظة الانفجار التي تجعل ما حولها تحت الهيمنة».
لزوم ما يلزم: النتيجة المقابلية: مواجهة هذه التحديات، لا تكون بالخطب العصماء. أم لديك رأي آخر؟