في بلادٍ تفتخر بالدستور وتستظلّ بالحرّية، سال الدم في محراب الكلمة، وتحوّل المنبر إلى منبرٍ للرصاص. في ساحةٍ جامعية قِيل إنها وُجدت للعلم، سقط صوتٌ من أكثر الأصوات صخباً في السياسة الأمريكية، تشارلي كيرك، مضرجاً بدمه، بينما كانت الأعين مشدودةً إلى شاشات البث المباشر، ترقب مشهداً لم يكن متخيَّلاً إلا في كتب التاريخ.
في العاشر من سبتمبر(أيلول)، بجامعة يوتا فالي، انطلقت رصاصة من بندقية على مسافة تتجاوز المئة وثلاثين متراً من فوق سطح أحد المباني، لتخترق عنق مؤسس جمعية «نقطة تحول للولايات المتحدة الأمريكية» الذي طالما ملأ الساحات بخطابه المثير للجدل. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى أُلقي القبض على مشتبهٍ فيه شاب تايلر جيمس روبنسون لا يتجاوز الثانية والعشرين، بعد أن سلّمته عائلته للسلطات، وقد انكشفت رسائل نصية له يقول فيها: (لقد اكتفيت من كراهيته).
روبنسون الذي لا يبدو في سجله انتماء إلى حزب سياسي محدد، لكن يبدو أنه قد تلقى تدريباً عالياً في إطلاق النار، ليحقق هذه الدقة في التصويب التي جعلته يصيب كيرك في عنقه برصاصة، هذا التفصيل شائك لربما في التحقيقات التي يقوم بها الأمن الوطني الأمريكي، إذ بحسب التحقيقات، فإن المشتبه فيه قد قام بهذه الجريمة منفرداً من دون التنسيق مع آخرين، فأين تلقى التدريب؟ وكيف تمكن ذي ال 22 ربيعاً من تحقيق الهدف بهذه الدقة وعلى هذا البعد المسائي؟ لكن مما لا شك فيه أن الجريمة ستشكل لحظة فاصلة، لا في حياة رجلٍ واحد، بل في مسار بلدٍ بأكمله.
المفارقة التي لا تغيب عن الأذهان أن كيرك نفسه كان من أبرز المدافعين عن الحق الدستوري في حمل السلاح. كان يقول في أحد خطاباته: «لا يمكننا منع السيارات لأن بعض الحوادث تقع، فلماذا نمنع السلاح لأن بعض الجرائم تقع؟». لقد انتهى به المطاف ضحيةً للسلاح الذي لطالما اعتبره حامياً للحريات. سقط، وهو الدليل الحي على أن الحرية التي لا تُقيَّد قد تنقلب على صاحبها.
دونالد ترامب لم يُفوّت اللحظة. سارع إلى تحميل المسؤولية على ما سماه «العنف اليساري»، معتبراً أن خصومه يغذّون خطاباً يقود إلى الدم. أنصاره بدورهم وجدوا في دم كيرك وقوداً جديداً لحملة انتخابية ستقوم على شعار «حماية الحرية من عنف اليسار». حتى الدعوات إلى الإعدام بحق القاتل تحولت إلى مادة سياسية تعبّئ الجماهير، وتعيد رصّ الصفوف خلف زعيمٍ يتقن صناعة الأعداء وصياغة المعارك.
في المقابل، سعى الرئيسان السابقان جو بايدن وباراك أوباما، إلى إدانة الاغتيال بلهجةٍ قوية، داعين إلى نبذ العنف السياسي وخفض حدة الخطاب. لكن أصواتهم، رغم وقعها، بدت كأنها صدى باهت أمام ضجيج منصات التواصل التي التقطت المشهد لتعيد إنتاجه في آلاف السرديات المتناقضة.
بينما ظهر صوت خافت في واشنطن، يلقي الضوء على أن كيرك وقبل اغتياله بأيام قليلة، أثار جدلاً واسعاً حين بدا وكأنه يعيد النظر في بعض مواقفه الثابتة تجاه إسرائيل. فبعد سنوات من كونه أحد أكثر الأصوات الأمريكية الشبابية تأييداً للدولة العبرية، ظهرت في خطاباته نبرة جديدة، فيها نقدٌ خافت لسياسات تل أبيب في غزة والضفة، وإقرار بأن التحالف مع إسرائيل لا بد أن يعطي الأولوية للمواطن الأمريكي وللأرض الأمريكية!! كان هذا التحوّل الطفيف كافياً لإرباك أنصاره وإثارة غضب بعض الدوائر اليمينية التي اعتادت أن تسمعه يكرر خطاب الدعم غير المشروط. البعض اعتبره نضجاً سياسياً، وآخرون عدّوه تراجعاً خطيراً، لكن المؤكد أن كيرك كان في طور مراجعةٍ فكرية نادرة، جعلت اغتياله أكثر تعقيداً، وكأن الرصاص لم يستهدف جسده وحده، بل محاولة لمصادرة مسارٍ جديد كان قد بدأ للتوّ.
لم يكن اغتيال كيرك حدثاً عابراً. المحافظون رأوا فيه شهادةً جديدة على أنهم مستهدفون في ديارهم، وأن حرية التعبير باتت تُدفع ثمنًا بالدم. الليبراليون واليساريون، وإن دانوا الجريمة، حذّروا من استغلالها سياسيًا لتكميم الأصوات المعارضة.
أمريكا ليست غريبة عن مشهد الدم في السياسة. اغتيال إبراهام لينكولن بعد الحرب الأهلية، واغتيال جون كينيدي في قلب القرن العشرين، شكّلا ندوباً في الذاكرة الوطنية. واليوم، يأتي اغتيال كيرك ليذكّر بأن الديمقراطية الأمريكية ليست محصّنة، وأن الخطاب إذا تجاوز حدود السياسة إلى شيطنة الخصوم، فإن الرصاص ينتظر عند أول منعطف.
الديمقراطية الحقيقية ليست ساحة لتصفية الحسابات، بل وعاءٌ يحمي حياة الجميع، مهما تباينت قناعاتهم، من أن يُسحقوا برصاصٍ بربري في قلب حرمٍ جامعي قيل إنه مخصصٌ للعلم لا للعنف.
السؤال الآن: هل سيكون اغتيال كيرك مجرد صفحة دامية أخرى في سجل الاغتيالات الأمريكية، أم أنه بداية لمرحلة جديدة من العنف السياسي المنظّم؟ هل سيقود إلى تشديد أمني وقانوني يقيّد الحريات باسم الحماية، أم إلى دعوات حقيقية لخفض حرارة الخطاب؟ وهل يمكن أن يتحول إلى لحظة مفصلية تغيّر موازين الانتخابات المقبلة كما غيّر اغتيال كينيدي ملامح الستينيات؟
الدم سقط، لكن المعركة لم تنتهِ. والسؤال الأخطر: هل ما زال في وسع أمريكا أن تُنقذ نفسها من نفسها؟

[email protected]