هل يسمح المحلّلون السياسيون المحنّكون، وذوو الأحناك ذات الحنكة، في الجغرافيا السياسية والاستراتيجية، بملاحظة بسيطة؟ معاذ الله القول إنها مرّت من أمامهم ولم يعيروها اهتماماً، أو إنهم حفظوا شيئاً وغابت عنهم أشياء. إن صحّ الرأي وصدق الظن، فالعلّة في أن الخطط تَذرّ الرماد، وتذرو الضباب، فإذا الرؤية عتمة وقتامة، حتى إذا أخرجت الحقيقة يدها، لم تكد تراها.
على كل فِكر أن يَضرب على ذاته خلوةً فرديةً، ويُشهد نفسَه على نفسه: هل خطر على باله حقاً هذا التحليل الغريب؟ ما هي العلاقة الوطيدة العضوية، بين خبط عشواء في السلوكيات السياسية والدبلوماسية الترامبية، وبين النظرية الاستراتيجية في الفوضى الخلّاقة؟ هذا الرأي يعني، بكل ادّعاء أو اعتداد، أن الإمبراطور لا يغرّد خارج السرب، وأنه حلقة وثيقة في سلك نظام جمهوري ديمقراطي، يختلف فيه الإيقاع، ولا يتغير ضابط الإيقاع. مثلما تقول أغنية «كعب الغزال»: «دي حاجات مش ممكن يضبطها ولا مِيت طبّال». إيقاعات السياسة الدولية ومخططات الكبار هكذا.
ببساطة: ما هي الفوضى الخلّاقة؟ هي «أن تهدم كل بنيان من الأساس، أن تسوّي الأشكال القائمة بالأرض، ثم أن تدعها تتشكل تلقائياً، فإذا رأيتَ أنها لا توافق رؤيتك وخططك، فتصرّف أنت وطبّق ما يناسب غاياتك ومراميك». أليس المشهد في ظاهره غريباً؟ كأنك أمام عملاق رودس متحرك، وهو يهوي بمعول على أعمدة القانون الدولي، الأعراف والمواثيق، المنظمات العالمية الكبرى وقراراتها، يعامل رؤساء الدول كما يتعامل الإمبراطور الروماني كاليغولا مع وزرائه بازدراء. بالمناسبة: عيّن حصانه وزيراً. الصورة مختلفة الآن، فملك ملوك الكوكب اليوم لديه فيل وحمار. باختصار، هو يسوّي القيم والمبادئ والاتفاقيات والمعاهدات والبروتوكول، بالتراب. منتهى الطرافة أن يستقبل ترامب الرئيس بوتين في ألاسكا بمنتهى الحرارة. سبحان الله، كأن في دماغه شيئاً من البلاغة في الطباق: ثلوج ألاسكا ودفء السجاد الأحمر. لكن، «بفركة كعب» ينقلب: «يستطيع زيلنسكي استعادة كل شبر سليب من أوكرانيا». «يجب إسقاط جميع طائرات روسيا».
الفوضى الخلّاقة هي التسوية بالأرض. عندها العب كما تشاء. الشرق الأوسط الجديد: اقتطع من كل بلد بستاناً، لا تهمّ الحروب الناجمة، فالخطة هي: «سوبر إسبرطة» أي الحروب على مدّ البصر الزمني. ثمّة ما يشبه تزامن الجُمل الموسيقية في الكونترابانط، مثلاً: اقتطاع أجزاء من دول عربية، وبالتزامن حلم كردستان الكبرى، الذي يتطلب تفتيت العراق، سوريا، تركيا وإيران.
لزوم ما يلزم: النتيجة النظرية: لكي تحول دون قيام نظام عالمي جديد، يجب أن تهدم أيّ نموذج يمكن القياس عليه. لا يمكن القياس على العدم.
[email protected]
الفوضى الخلّاقة نموذج مستمرّ
27 سبتمبر 2025 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 سبتمبر 2025 00:10 صباحًا
شارك