سنوات طويلة قضيناها في الكتابة، مقالات عن قضايا اجتماعية، مقترحات لمبادرات، تحليلات لأوضاع عامة، وحتى رؤى مستقبلية، ومع ذلك، لا نجد سوى صدى محدود، بعض المجاملات في مجموعات الواتساب، أو كلمات تشجيع من الأصدقاء والزملاء، وكأنها واجب اجتماعي أكثر من كونها تفاعلاً حقيقياً، وفي المقابل، ترى شخصاً غريباً، يكتب مقالة عابرة أو ينشر فيديو عادي، فتنهال عليه التفاعلات، وتُعاد مشاركته آلاف المرات، هنا نستذكر القول الشائع «مغني الحيّ لا يُطرب».
سألني أحدهم ذات يوم «منو اللي يقرا مقالاتكم»؟ سؤال مباشر، لكنه موجع، هل حدث يوماً أن كتبت موضوعاً ووجدت تفاعلاً حقيقياً؟ هل طُبّق اقتراح قدّمته؟ هل تحركت جهة لحل مشكلة أشرت إليها؟ هل التقط أحد مبادرة وضعتها للنقاش وحوّلها إلى واقع؟ الجواب في معظم الأحيان هو لا، الحقيقة أن الناس لم يعودوا يقرأون بالجدية التي كنا نأملها، وأصبحت الكلمة تحتاج إلى من يتفاعل معها لتصنع الأثر.
إن من يتأمل المشهد الغربي أو حتى بعض المجتمعات الأخرى، يلحظ أن المقالة الجادة هناك لا تُترك لتذبل، إذا كتب كاتب عن مشكلة، تسعى الجهات لحلها، إذا قدّم مقترحاً أو مبادرة، تُناقش وتُدرس بجدية، فالكاتب هناك لا يكتب في الفراغ، بل يكتب في ساحة يسمع فيها صوته ويُنتظر رأيه، أما في واقعنا، فكأن الكاتب يعيش في كهف مطل على بحر، يكتب، فيرمي نصه إلى الأمواج، تحمله الرياح بعيدا، ثم تسقطه في قاع البحر، حيث تغرق الأفكار في صمت الأعماق.
هل المشكلة في القارئ الذي لا يرى قيمة للكلمة الجادة إذا جاءت من محيطه؟ أم في الكاتب الذي لم يتقن فن بناء الجسر بين نصه واحتياج القارئ؟ أم أن المجتمع بأسره لم يعتد على التعامل مع المقالة كمنطلق للنقاش والعمل، بل اكتفى بالتعامل معها كخبر عابر؟
لماذا نكتب إذن؟ السؤال المؤلم هو هل يستحق هذا الجهد؟ الساعات التي تُستنزف في البحث والتفكير والصياغة، هل تُقابل بجدوى حقيقية؟ ربما، الجواب ليس أبيض أو أسود، فالكتابة حتى لو لم تصل إلى جمهور واسع، تظل وسيلة للتعبير، ومساحة للتفكير بصوت عال، هي أثر شخصي ومعرفي، وصوت مسموع لمن يريد أن يسمع، لكنها أيضاً تذكير بأن القيمة لا تُقاس دائماً بحجم الانتشار، بل بما تتركه الكلمة من معنى عند من يلتقطها.
أذاً لمن نكتب؟ نكتب لأننا نحتاج أن ندوّن ما نفكر به، نكتب لنحفظ الفكرة من الضياع، حتى لو تجاهلها الناس اليوم، نكتب لعل كلمة تقع في قلب قارئ واحد، فيفتح بها أفقاً جديداً، فالكتابة ليست وعداً بالانتشار، لكنها تظل جسراً للبقاء في ذاكرة الزمن.
لمن نكتب؟
27 سبتمبر 2025 00:38 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 سبتمبر 2025 00:38 صباحًا
شارك