القائد الأب، كانت هذه دائماً فكرتي عن الشخصية القيادية، التي تحتوي فريقها، وتجعلهم في حاضنة الأمان والإحساس بأن المركب الذي هم فيه لن يغرق لأنه ربّانه أب لا يتنازل عن أبنائه، ودائماً ما يشغل ذهني كل ما يقوله قادتنا (الله يحفظهم)، عن أن الإنسان هو الأساس، وأن القائد الناجح، الحقيقي من يلتزم بأن يكون جزءاً وحاضراً في العائلة الأكبر. يربّي أجيالاً من القيادات التي تمشي معه وليس خلفه، التي تنجز برؤية أكبر من رؤية شخص محدودة، بل تتنوع بفكر أفراد متباينون في عقلياتهم متوازنون في خطواتهم ومتناغمون في تواجهاتهم.
القائد من يربّي فيك الطموح، من لا يتوانى عن السؤال عنك قبل المشروع، من يجعل أمام عينه الرغبة الدائمة في الاطمئنان والحرص على أن يستمر الكل وهم بخير، القائد الذي يعلم الجيل القادم أن القيادة ليست شعاراً، وليست اسماً، أو مسميات، بل أفعال، واستثمار، تعلم وقراءة، صبر وجلد، تحمل العيش تحت كل الظروف، والاستمرار في اكتشاف العوالم من حولنا، أن نركز في سمو الأخلاق وصدق الأفكار، أن يتباهى بنا العالم في نظرته لنا كأفراد، أقوياء بحضورنا لا الخارجي بل جوهرنا الداخلي، اليوم نحن نقرأ من كتب قادتنا، ومدرستهم التي هي إنجازات واضحة أمام العيان، لكن الأهم ما كان وراء ذلك الإنجاز من كلمات، من يقين، ومن تعليم، ومتابعة لكل فرد وقف معه وأنجز.
في يوم ما قال لي أحد قادتي الكرام، القائد الذي لا يقرأ التفاصيل، لن ينجح ولن يصبح قائداً ناجحاً، وأؤكد عليه القائد الذي لا يتعلم أن يستمع لمن سبقه في الخبرة، وأن يبحث ويحلل، يصبر ولا يقفز، يتسامى في فكره وربطه، لا يتعالى بل يتواضع، ولا يتجاوز غيره بل يسير معه، هو مشروع آخر غير ما يسمى «القائد:..! وكلي فخر أن حولنا رموزاً تعلمنا بأفعالها، بتواضعها، باتساع فلك احتوائها، وكم شخص منا غدا في المجرات محلقاً مفاخراً بأنه إنسان تعلم واجتهد وثابر وبنى إرثه من تربية إنسان قائد فاضل..!»
ليتعلم الصغير من الكبير، وليحترم عمره الذي مضى، فهو رمز، وأصل، هو قدوة وفكر، ليتعلم الجيل القادم أن القيادة أصول، اوأن الوصول ليس سهلا بل وعر وقاسي، ليتعلم القادم أن الحياة مد وجزر وأن الاستمرارية بين الماضي والحاضر هو جسر اتصال ليوم المستقبل، وأن المسؤولية الكبرى هي في تحمل قرار المسؤولية ذاته، وتبعاته وتفاصيله. ليتعلم ويدرك أصحاب الطموح أن الركيزة الكبرى هي في أن يقرأ ويتعلم ويستمع ولا يتعالى، ليكن امتداد الصفوف قوياً، متيناً صلباً لا ينهار، متصلاً لا يتوقف، وصلباً لا يتزعزع.. كل عام وقادتنا ومن علّمنا في خير، ونور وتألق.

[email protected]