ألا يبدو لك أن المثقفين العرب، يستمتعون بنفحات من اللاّمبالاة، إزاء مفهوم الحضارة الإسلامية، كمنظومة ثقافية متعدّدة اللغات؟ كانت حضارتنا تشبه شخصاً له عقيدة واحدة، لكنه ذو جذور خاصة، وإثنيّة تميّزه، وتاريخ وجغرافيا محدّدين، كما أنه متعدّد الألسنة، أو له لغته الأم إضافة إلى العربية، التي هي لغة الحضارة الإسلامية.
كم نحن نظلم هويتنا وميراثنا الثقافي، ومفهومنا للثقافة، إذا تحدثنا عن التصوف الإسلامي مثلاً، والأدب الصوفي تحديداً، فاستشهدنا بابن الفارض وعبدالغني النابلسي، وغفلنا أو تغافلنا عن جلال الدين الرومي وفريد الدين العطار. أمّا روائع الأدب التي جاد بها تاريخ الأدب الإسلامي، فهي مكتبات في مكتبة. ما هي علاقاتنا الثقافية مع ستمئة مليون مسلم في باكستان وبنغلاديش والهند (مئتا مليون في الهند)؟ وما هي الأواصر مع ما كان ياقوت الحموي يسمّيه بلاد الترك: قازاخستان، أوزبكستان، طاجيكستان، تركمانستان وأذربيجان، وهل ننسى جمهورية تتارستان؟.
ليس عيباً أو حراماً أن يختلس أهل الثقافة هنيهةً من هنا وهنيهةً من هناك، للنظر في ما إذا كانت لتفكيك الجغرافيا الثقافية، صلة بالجغرافيا السياسية والاستراتيجية. تصوّر، على سبيل التمثيل بالأمم والشعوب، كيف أن برامج القوى تسعى بكل السبل، ومنها القوة، إلى تفكيك الجغرافيا العقدية والثقافية، بألف دعوى وألف ذريعة، كالهوية الإثنية، الشخصية اللغوية، وهلمّ افتراءً وإفكاً، ثم يضرمون نار البغضاء والعداوة والفتنة، فإذا البنيان المرصوص في بناء الحضارة الإسلامية قروناً، يمسي شحناء مشحونةً، وعظاماً مطحونة.
لا حرج على المثقف العربي، إذا هو ألقى نظرةً عجلى، على ما في السلّة الثقافية لمسلمي مورو في الفلبين. هذا أيسر من الغرق في محيط إندونيسيا (282 مليون نسمة، غالبيتهم مسلمون)، ففي ذلك البلد سبعمئة لغة. بالقياس، تغدو ماليزيا كالجملة الاعتراضية، لا محل لها من الإعراب. لا بدّ من الثناء على كوكب الشرق، فلولاها ما كان للشاعر الفيلسوف الباكستاني محمد إقبال صوت أو صدى في العالم العربي، شكراً للست على «حديث الروح»، ثمّ على «رباعيات الخيام»، فالشاعر الإيراني، الذي قال عنه العقاد: «عمر الذي فتح الغرب»، بفضل ترجمة البريطاني إدوارد فيتزجيرالد للرباعيات، هو لدى كبار نقاد الأدب الفارسي، يأتي في المرتبة السادسة، أو بعدها، بين شعراء إيران. أمّا تركيا، فحسبنا ارتشاف بعض قصائد ناظم حكمت. العلاقات الثقافية القرونية راحت في مهب تفكيك الجغرافيا الثقافية.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإنكارية: على الثقافة أن تتروّى إذا هي توهّمت أن للخواطر المسرودة أعلاه، علاقةً من قريب أو بعيد، بالعربدات على المسرحين العربي والعالمي.
[email protected]