خالد راشد سليمان الزيودي*

في لحظة فارقة من مسيرته الممتدة على مدى أكثر من ستة عقود، يقدّم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، كتابه الاستثنائي «علمتني الحياة»، ليكون مرجعاً معرفياً وفكرياً للأجيال. الكتاب ليس مجرد سيرة شخصية أو مجموعة من الخواطر، بل هو رؤية متكاملة صيغت بلغة صادقة وبسيطة، لتصل من القلب إلى القلب، وتضيء الطريق أمام القيادات والشباب وصنّاع المستقبل.
في ثنايا فصوله الخمسة والثلاثين، يروي سموّه محطات من التحديات والإنجازات، والأفراح والأحزان، ومواقف تجسد فلسفته في الحكم وإدارة الحياة. لكن ما يلفت الانتباه أن الكتاب لا يقتصر على سرد تجارب شخصية أو دروس إدارية، بل يفتح أبواباً واسعة للنقاش حول قضايا كبرى تمس جوهر هويتنا، وعلى رأسها اللغة العربية، باعتبارها الحافظة للذاكرة والمشاعر والهوية.
من أبرز القصص التي ساقها سموّه، لقاء عابر مع طالبة متفوقة في أحد المعارض، حيث قال لها بعد إعجابه بعملها: «ابْعَدي». لم تفهم الطالبة الكلمة، فاستبدلها سموّه بعبارة «I’m proud of you»، ورغم فرحة الطالبة بالثناء، شعر سموّه بالحزن، لأن الكلمة الأولى الأصيلة والغنية بالمحبة والدفء، لم تصل إلى قلبها، هذه اللحظة البسيطة كشفت فجوة مقلقة بين الأجيال الجديدة ولغتهم الأم، وأكدت أن العلاقة بين اللغة والهوية لا تحتمل التفريط أو الإهمال.
اللغة في نظر سموّه ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي مخزن للمشاعر ووعاء للثقافة وذاكرة للحضارة. فهي التي تنقل الانفعالات وتبني الانتماء، وهي الأداة التي نحلم ونفكر ونتأمل بها. من يفكر بلغته الأم، يفكر بعمق يستند إلى آلاف المفردات والأمثال والحكايات المتوارثة، بينما من يفكر بلغة غريبة يظل حبيس مفردات محدودة ومشاعر لا تعكس وجدانه. لذلك فإن اللغة، كما يشير الكتاب، ليست انعكاساً للحياة فقط، بل هي صانعة للحياة ذاتها.
العولمة الثقافية والتقنيات الحديثة أدت إلى تغلغل اللغات الأجنبية في تفاصيل الحياة اليومية، غير أن الإمارات العربية المتحدة، كما يوضح سموّه، تحركت مبكراً لحماية العربية، عبر سياسات تعليمية واضحة جعلت منها مادة إلزامية، ومبادرات ثقافية ومجتمعية لترسيخها في الوجدان قبل الألسنة. المكتبات العامة، جوائز القراءة، المؤتمرات الفكرية، والسياسات الحكومية كلها أدوات لمشروع حضاري طويل المدى هدفه حماية لغة الضاد، وتعزيز حضورها في المدرسة والجامعة والفضاء العام.
لكن التحدي ما زال قائماً، إذ يشعر كثير من الشباب أن العربية لغة بعيدة عن واقعهم العملي أو التقني. هذه الفجوة ليست مشكلة محلية فقط، بل قضية عامة في العالم العربي، حيث تتعرض اللغة الأم لضغوط العولمة وتغليب اللغات الأجنبية في التعليم العالي وسوق العمل. ومع ذلك، فإن فقدان اللغة الأم يعني فقدان الانتماء، وانقطاع الصلة بين الأجيال، وإضعاف الأداة الأساسية للتفكير والنمو المعرفي للأطفال والشباب.
إن ما يطرحه كتاب «علمتني الحياة» هنا يتجاوز حدود القصة الفردية، ليشكل نداءً موجهاً إلى المجتمعات العربية: إذا أردنا مستقبلاً مزدهراً، فلا بد أن نؤمن بأن لغتنا ليست عبئاً على التقدم، بل جسر إليه. فالعربية ليست فقط صوت التاريخ ونبض الحضارة، بل أيضاً وسيلة الإبداع والابتكار، وقادرة على مواكبة العلوم والمعارف الحديثة متى منحناها الثقة والرعاية.
وما يميز هذا الطرح أن سموّه لا ينظر إلى اللغة العربية من زاوية الحنين إلى الماضي، بل من زاوية المشروع الوطني والمستقبلي. فاللغة أداة تنمية مثلها مثل الاقتصاد والتعليم، وهي مكوّن أساسي في أي نهضة شاملة. ولذلك جاءت دعواته المتكررة لتأسيس المكتبات العامة، ودعم الجوائز الأدبية، وإطلاق المبادرات الحكومية، لتؤكد أن حماية العربية ليست خياراً ثقافياً أو نشاطاً جانبياً، بل واجب حضاري ومسؤولية وطنية.
إن قوة الأمم لا تقاس فقط بما تحققه من إنجازات اقتصادية أو عسكرية، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على هويتها وصون ثقافتها. وإذا كانت لغتنا العربية قد حملت على مدى قرون علوم الفلسفة والطب والفلك، فهي قادرة اليوم على أن تكون لغة المستقبل، شرط أن نمنحها مكانها الطبيعي في مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا الإعلامية والثقافية، وأن نستخدمها أداة للتفكير العلمي والإبداع الأدبي في آن واحد.
لقد قدّم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد في كتابه «علمتني الحياة» درساً بليغاً، وهو أن اللغة ليست كلمات نرددها، بل هي فكر وهوية ومصير. ومن هنا، فإن الحفاظ على العربية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، بين الأسرة والمدرسة، بين الإعلام والمبدعين، بحيث تصبح اللغة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، في الخطاب الرسمي، وفي المحتوى الإعلامي، وفي تربية الأجيال الجديدة.
إذا كان الكتاب قد أراد أن يكون «بسيطاً في كلماته، صريحاً في عباراته»، فإن رسالته حول اللغة جاءت عميقة وملهمة: نحن لا نحمي الكلمات فحسب، بل نحمي الفكر والهوية والمستقبل. واللغة، كما يصفها العنوان، ستبقى دائماً روح «علمتني الحياة»، ركيزة أساسية في صناعة الغد الذي نريده مشرقاً وقوياً ومتجذراً في أصالته.

[email protected]

*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر