تمادي العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين وعلى الدول العربية المجاورة، بلغ حداً لم يعُد بالإمكان السكوت عليه على الاطلاق. واستهداف دولة قطر العربية التي تبذل جهوداً للوصول الى اتفاق لوقف النار في قطاع غزة، جنوحٌ رهيب نحو غطرسة غير مقبولة، وتجاوز لكل الحدود، ولا يمكن تبريره بحجة استهداف قادة من حركة حماس الفلسطينية، ولا بأي ذريعة أخرى، فهو خرقٌ فاضح للقوانين الدولية، وتحدٍ مرفوض للأمن القومي العربي برمته، واستهداف لمساعي السلام التي تجري في أروقة الأمم المتحدة، واستخفافٌ بهيئة الأمم وبالقرارات الدولية ذات الصلة، لا سيما قرارات مجلس الأمن الدولي.
الحكومة الإسرائيلية التي يقودها رموز من اليمين المتطرف، تأخذ المنطقة نحو فوضى لا يمكن احتساب كامل تبعاتها الخطِرة، وبعض الرؤى التي تحمل طروحات مُغالية وبعيدة عن الواقع، تُحرِج المُعتدلين، وتدفع الجميع نحو تبنّي مقاربات راديكالية ليست في مصلحة أحد، واعتقاد بعض المُتطرفين في حكومة إسرائيل بأن الحلول تأتي من خلال القتل والتدمير والعدوان، اعتقادٌ خاطئ، ولا يمكن البناء عليه لتحقيق سلام دائم. فالجنوح العسكري الرهيب الذي تقوم به آلة العدوان الإسرائيلي، تزيد من تعقيدات الوضع ولا تسهم في توليف الحلول الدائمة.
لم تتمكن إسرائيل خلال ثمانين عاماً مضت من توفير الاستقرار، لأنها ترفض الحلول السياسية التي تستند إلى الحق، وحق الفلسطينيين في العيش بكرامة وسلام على أرضهم التاريخية لا يمكن إنكاره، وهو دامغ، وموثق، وتلحظهُ القرارات الدولية، لا سيما القرار 242-1967. وإسرائيل لن تتمكن من فرض إرادتها الجائرة على الشعب الفلسطيني اليوم مهما تمادت بعمليات القتل والتدمير والتهجير. والشعارات التي تستند إليها في عدوانيتها، واهية وليس لها أي أساس، فالفلسطينيون أصحاب الأرض، وأصحاب حق، وحقهم لن يموت مهما طال الزمن.
الاختلال في موازين القوى العسكرية لصالح العدوان اليوم، لا يمكن اعتباره ثابتاً دائماً، لأن تطور الصناعات العسكرية ليس حكراً على جهة محددة، وهناك وسائل مختلفة للرد قد تتوافر في أي لحظة، لاسيما عندما يتعلَّق الأمر بتهديد الأمن العام والشامل للمنطقة، وللمجموعة العربية على وجه التحديد، وهذه المجموعة جنحت نحو طلب السلام والوئام منذ مطلع العام 1993 (اتفاق أوسلو) مروراً بمقررات قمة بيروت العربية للعام 2002، وصولاً إلى المساعي الحثيثة التي تُبذل اليوم في أروقة الأمم المتحدة لتثبيت حلول دائمة للنزاع، من خلال تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي وتوصيات الهيئة العامة للأمم المتحدة والتي صوتت أكثر من مرة لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وبأغلبية مؤيدة ساحقة من عدد الدول الأعضاء.
الولايات المتحدة الأمريكية مُطالبة، وأكثر من أي وقتٍ مضى، بوقف جنوح العدوان الإسرائيلي الرهيب، والإبقاء على المواقف الرمادية التي تحمل بعض الَّلوم، او الاستنكار الخجول، لا يكفي، لأن العدوان الإسرائيلي يستخدم الأسلحة الأمريكية بالغة التطور، بينما الدول العربية تشهر الصداقة مع الجانب الأمريكي، وتتحمَّل وزر ذلك أمام غالبية من دول العالم، وهي لا تلاقي التبادل الإيجابي المناسب من قبل الإدارة الجديدة. وهو ما يؤدي إلى امتعاض شعبي عربي كبير اتجاه سياسة واشنطن، ويُحرج الحكومات الصديقة لها.
وتبعات تمادي العدوان الإسرائيلي تصل إلى حد تهديد الاستقرار الدولي، ذلك أنه سبب لبعض الأعمال العسكرية التي تحصل في أكثر من مكان في المنطقة، لاسيما في لبنان وفي سوريا وفي البحر الأحمر. وما يحصل للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، يؤجج المشاعر العربية والإسلامية والعالمية، ويزيد من منسوب التشنج والكراهية، لأن الارتكابات الإسرائيلية فاقت كل تصوُّر، وهي تشبه المحارق التي افتعلتها النازية قُبيل منتصف القرن الماضي. وقد وصل هذا التمادي العدواني الإسرائيلي إلى حد إقصاء الأمم المتحدة ومنع المساهمات الإنسانية لوكالاتها المتخصصة – لا سيما الأونروا – عن تقديم أي مساعدة للمرضى والجرحى والجائعين على أرصفة شوارع القطاع المنكوب.
هل تهدف إسرائيل من عدوانها إيقاف مساعي التسوية التي تبذلها قطر مع مصر والولايات المتحدة الأمريكية؟ ذلك هو السؤال المحوري، وتبعاته ستكون أكبر من تصورات وزير المالية الإسرائيلي بتسائيل سموتريتش وزميله وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير، اللذين تجاوزا كل الحدود في تصريحاتهما البغيضة التي تتجاهل الحقائق، وتبعث على الحقد والشقاق، لا سيما منها التي تدعو إلى استمرار عمليات القتل والإبادة ضد الفلسطينيين لطردهم من أرضهم في غزة والضفة.
التضامن الواسع مع قطر، وحملة الاستنكار والشجب العربية والدولية العارمة للعدوان الإسرائيلي، ليس بالأمر التفصيلي على الإطلاق، والرأي العام بمجمله يطالب الولايات المتحدة الأمريكية بموقف حاسم، ووضع حدّ للتمادي الإسرائيلي قبل فوات الأوان، بما في ذلك خصوصاً عدم الدفاع عنها في مجلس الأمن وفي المنتديات الدولية الأخرى.