قد تكون خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أعلنها يوم أمس الأول بعد اجتماعه إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فرصة حقيقية للسلام، ومحاولة جدية لتغيير مسار حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، ووقف خطط ابتلاع غزة وتهجير أهلها، وانسحاب قوات الاحتلال، وإطلاق سراح المختطفين الإسرائيليين الأحياء والأموات، وفي المقابل الإفراج عن مئات من الأسرى الفلسطينيين، ومن ثم فتح أفق «ضيق» لتحقيق مطالب الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولتهم المستقلة، لأن الخطة لم توضح أي أفق لحل الدولتين، خصوصاً أن نتنياهو أعلن رفضه لقيام الدولة الفلسطينية، وكذلك إعلانه أن الجيش الإسرائيلي «سيبقى في معظم أجزاء غزة»، وهذا يعني أن انسحاب القوات الإسرائيلية يبقى محل شك، إذ إن البند التاسع عشر الذي يقول «بينما تتقدم عملية إعمار غزة، وعند تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية بجدية، قد تتوافر الظروف لوجود مسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة، وهو ما نعترف به كطموح للشعب الفلسطيني»، وهذا البند يضع شروطاً لقيام الدولة، كما أن تعبير «قد تتوافر الظروف» يعني الاحتمال وليس التأكيد طالما أن نتنياهو يرفض قيام الدولة الفلسطينية، ولا يوجد من يجبره على قبولها.
ومع ذلك، فإن الخطة التي لقيت ترحيباً عربياً وإسلامياً ودولياً واسعاً، قد تضع حداً للحرب، وتعيد إعمار القطاع، وتدفع عجلة السلام الشامل، ولن تسمح بضم الضفة الغربية كما يدعو اليمين الإسرائيلي رداً على اتساع مساحة التأييد العالمي لحل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية.
ويلاحظ، أنه من خلال مضمون الخطة ببنودها العشرين، فإن الرئيس الأمريكي تراجع عن خططه السابقة بتهجير الفلسطينيين، وإقامة «ريفييرا الشرق الأوسط» في غزة، ووافق على إعادة إعمارها، كما وضع حداً لتكهنات موافقة إدارته على ضم الضفة الغربية أو أجزاء منها، وهذا بحد ذاته يعتبر إنجازاً سياسياً حققته الدول العربية والإسلامية في الحؤول دون التوسع، ومنع مخططات قيام «إسرائيل الكبرى» أو ما يسمى «الشرق الأوسط الجديد» كما يردد نتنياهو.
اللافت، أن الخطة أججت الخلاف داخل الحكومة اليمينية الإسرائيلية، فقد وصفها وزير المال المتطرف بتسلئيل سموتريتش بأنها «فشل دبلوماسي مدوٍّ.. وإغفال لكل دروس هجوم السابع من أكتوبر»، وأضاف «في تقديري، سينتهي الأمر أيضاً بالدموع، سيجبر أطفالنا على القتال في غزة مرة أخرى»، أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فقال «سيدي رئيس الوزراء.. ليس لديك تفويض لإنهاء الحرب من دون هزيمة حماس بالكامل»، في حين أن زعماء المعارضة أيدوا الخطة ووعدوا بتوفير «شبكة أمان» لحكومة نتنياهو في حال قرر حزبا بن غفير وسموتريتش الانسحاب منها وإسقاط الحكومة.
الخطة تضع جميع الأطراف أمام خيارات صعبة. فإسرائيل مطالبة بمراجعة حساباتها ومخططاتها الداخلية والإقليمية والخارجية، و«حماس» تقف أمام اختبار حقيقي تجاه الشعب الفلسطيني في غزة وإنقاذه من حرب الإبادة الجارية على قدم وساق، والمنطقة تقف على عتبة ترتيبات جديدة ستحدد شكل التوازنات المقبلة، والولايات المتحدة مطالبة بموقف يؤكد مصداقيتها والتخلي عن سياسة ازدواجية المعايير في سعيها إلى السلام، والتخلي عن الدعم المطلق لإسرائيل.
نحن أمام نافذة جديدة في مسار السلام، لكن المطلوب هو التنفيذ، لئلا تبقى الخطة مجرد حبر على ورق.